الجمعة، 29 يوليو 2016

فاطمة المغربية

عندما انتقلنا لبروكسل كنا نبحث عن امرأة أمينة لتنظيف السكن. فعرفنا عن طريق الأصدقاء فتاة مغربية ممتازة وأمينة أسمها فاطمة. في البداية لم أكن أعرف كيف أتعامل معها لكنها كانت جادة ونبيهة جدا، وهي التي حددت يوم الخميس لأن جدولها ممتلئ ولا يوجد إلا هذا اليوم فوافقنا. وكنت انتظرها يوم الخميس صباحا فأعطيها الأجر وأخبرها بما يجب أن تفعل وأنصرف. ومع الوقت أصبحت هي أدرى وتفعل ما ينبغي فعله دون شرح. وكنا نتحدث معها بداية بالفرنسية. وفي أحد الأيام تلجلجت في جملة ما فقالت لي بالعربية "ممكن نتكلم مصري". فقلت لها "أهلا وسهلا وازي حضرتك كده". وعرفت أنها مغرمة بالأفلام المصرية القديمة! ومع الوقت أصبحت حواراتي معها يوم الخميس صباحاً هي أفضل ما يحدث لي في هذا اليوم. وهي ككل النساء ربما لا تتابع الأحداث الكبرى ولكنها تعرف من المعلومات ما هو أجدي وأنفع. فكنت كلما احتجت شيئا في بروكسل ولا أعرف أين أجده اسأل فاطمه فأجدها خبيرة بالموضوع مهما كان، وتعرف من أين نحصل على أجود بضاعة بأرخص سعر. وكنت منبهرا بذلك لدرجة أنني تخيلت برنامجا تلفزيونيا بعنوان "اسأل فاطمة" تُعرّف فيه المساكين أمثالنا ببروكسل الحقيقية! وكان غريبا بالنسبة لي أنها قدمت لبلجيكا حديثا وتتقن الفرنسية بهذا الشكل المبهر. فقالت لي أنها عاشت طفولتها هنا في بلجيكا وعندما كانت في الحادية عشرة أرسلها والداها إلى المغرب، حيث جدها وجدتها، لتربيتها بالطريقة المغربية، وأنها كانت ترى والديها في الأجازات فقط، ولما شبت وحان زواجها أعادوها لبلجيكا. وأنا أعرف أن الأتراك يفعلون هذا في ألمانيا خاصة مع البنات وهو أمر معروف ومنطقي بالنسبة لكثيرين. وعلمت من فاطمة أنها مخطوبة بالفعل لشاب مغربي-بلجيكي يعمل (شيف حلويات غربية وشرقية) في أحد مطاعم بروكسل. وقد قالت لي مرة أنها وهي تنظف أرفف مكتبتي لاحظت أن لدي قواميسا كثيرة فهل يمكن أن أعطيها واحدا (فرنسي-عربي). فقلت لها لماذا يا فاطمة وأنت تتقني اللغتين؟ فقالت "لخطيبي لأنه مغربي أمازيغي وأنا أعلمه العربية". فأعطيتها واحدا. وآنذاك كنت أريد تغيير السكن بآخر أكبر فوجدت أن السكن في القسم الفلمنكي أفضل وأكبر وأرخص. لكن المشكلة أن البلدية هناك لا تتعامل إلا باللغة الهولندية وإذا أردت التعامل بالفرنسية لابد وأن تدفع ثمن الترجمة! فقلت لنفسي ولما لا تتعلم الهولندية في الأجازة. ووجدت معهدا قريبا ثمن الكورس فيه 300 يورو. وقبل أن أسجل سألت فاطمة كالعادة. فوجدتها تدرس الهولندية منذ سنة كاملة، ودائما في المساء بعد الانتهاء من عملها بالتنظيف، وأنها في المستوى السادس وهذا مستوى عال جدا، وأنها تعرف كل المعاهد في بروكسل، وأنها تدرس في المعهد الرسمي لأن شهادته معترف بها في كل مكان ولأن ثمن الكورس فيه 30 يورو فقط هي ثمن الكتب! وبعد هذا الشرح الوافي قلت لها مباشرة "ينصر دينك يا فاطمة"! وأخذت منها العنوان ثم سألتها: ولكن لماذا تدرسي الهولندية؟ وما أهمية الشهادة المعترف بها في حالتك؟. فقالت، ولاحظ يا مؤمن جبروت المرأة وتخطيطها: أنها تعرف أن الوظائف في الجزء الفلمنكي أكثر وأفضل، وأنهم يرحبون بك جدا إذا وجدوك تتقن لغتهم، وأنها تبحث عن وظيفة مشرفة في إحدى الحضانات أو المدارس الأولية في الجزء الفلمنكي لذا تحتاج الهولندية. ولما سألتها لماذا الحضانات والمدارس الأولية اكتشفت يا جدعان أن فاطمة معها ليسانس تربية من المغرب. آه والله وساكتة ومخبية الموضوع! وأضافت لا فض فوها: "حتى المدارس الفلمنكية أفضل وأنا أخطط من الآن أن أرسل ابنائي للمدارس الفلمنكية، وبالطبع لابد وأن أذاكر لهم فأنا احتاج الهولندية مستقبلا أيضاً". الآن فقط عندما أتأمل كل هذا أفهم لماذا أحيانا كنت أقف أمامها مذهولا ولا أعرف بماذا أجيبها! وقبل زواج فاطمة سألتنا جميعا إن كنا نريد امرأة أخرى للتنظيف أم نصبر حتى تعود من شهر العسل في تركيا! فكلنا ودون اتفاق قلنا لها "سننتظرك يا فاطمة". وعرفت أن الجميع ونحن بالطبع أعطاها هدية زواج ضخمة. ويوم زواج فاطمة ذهبنا جميعا للفرح. كل الأسر التي تتعامل معها ذهبت لتهنئتها. وأعجبنا جميعا بجمالها الأطلسي وبالأطعمة المغربية وبالملابس التقليدية التي لا تظهر إلا في الأفراح وفي صلاة الجمعة والأعياد. وبعد الزواج وشهر العسل عادت فاطمة لعملها بهمة أكبر. وعرفت منها أنها قدمت أوراق الحصول على الجنسية البلجيكية. وبعد عدة أشهر طلبت منا كتابة تزكية لها. لماذا يا فاطمة؟ قالت والفرح ينط من عينيها "وجدت وظيفة في حضانة فلمنكية وسأكون مشرفة على فصل به خمسة أطفال". بالطبع فرحنا لها لأنها حققت أمانيها بالتدريج، الزواج والجنسية والوظيفة. وقلت لها "والله مش بعيد يا فاطمة تصيري وزيرة تعليم وما زلنا محلك سر!". وانتقلت فاطمة لسكن آخر بالقرب من عملها الجديد. ثم اختفت فاطمة وانشغلت عنا للأسف، وبدأنا البحث عن فتاة مغربية أخرى بنفس المواصفات ولكن هيهات، كأنه سبحانه لم يصنع منها نسخة أخرى وتركها فردا مفردا ليرينا عجائب قدرته. فسلام الله عليك يا فاطمة أنى حللت أو ارتحلت!
#روحي_فاطمية

الاثنين، 25 يوليو 2016

صاحب شجرة التوت

ممن درس لي علم الاجتماع أستاذة كنا نناديها (فراو روب). كانت دروساً باهتة ولا أكاد أذكر من أحداثها إلا أنني كنت أسرح كثيرا وبطريقة غريبة أثناء دروسها. على سبيل المثال أذكر أنها تحدثت مرة عن "نظرية التأويل" وقالت أن أصولها مصرية قديمة، وأنها تعود إلى إله مصري قديم يدعى "توت" (لاحظ الأسم). وهذا الإله كانت وظيفته في البداية أنه رسول الألهة للبشر لتفسير أوامرهم، وهو أيضاً راعي فن الكتابة، ووسيط في الصراع بين حورس وست، وأنه يرسم في العادة على شكل طائر (أبو منجل) أو ...على شكل قرد (البابون). في الحتة دي أنا دخلت في عالم ثاني وسرحت في مصر وشجر التوت على الترعة وكيف كنا نذاكر في الثانوية حتى مطلع الفجر ثم نخرج لنسطو على شجر التوت. وتذكرت عندما قفشنا صاحب شجرة توت فجرينا وتركنا صاحب لنا أعلى الشجرة بينما وقف الفلاح تحتها يسبه ويتوعده وصاحبنا فوق الشجرة ومع ذلك يقول له "والله ما أنا يا عم!" والفلاح يقول له "ومين اللي على الشجرة ده يا ابن الكلب!" واحنا ميتين على أنفسنا من الضحك. وفجأة عدت من رحلتي والأستاذة تتحدث عن التأويل عند اليونان وتقول "وهذا ما أشار إليه هيرودوت في تاريخة، ومن هيرمس جاءت الهرمسية والهرمنويتك. وده اللي هنحكي فيه المرة القادمة". طبعاً أنا كنت قد فقدت الخيط ولم أفهم العلاقة في ساعتها، ولكني كنت فرحا وأقول لنفسي لابد وأن يكون هذا الإله المصري الطيب هو صاحب شجرة التوت، وربما تمت تسميتها على اسمه بسبب مذاقها السماوي الجميل الذي يشبه مذاق تفسيراته للأوامر الإلهية. وبعد أن أنهت الأستاذة حصتها وبدأ الطلاب في الخروج استوقفتني وقالت لي: "لو حضرت المرة القادمة أرجو أن تتوقف عن الابتسام والضحك دون سبب!!"

عقدة قديمة

في المرحلة الثانوية تمنيت لو دخلت القسم الأدبي ولكن بسبب هري الأقارب والمعارف وزنهم صمم أبي على القسم العلمي ولم يكن يفهم من فرق بينهما إلا أن القسم العلمي شغله ومستقبله أحسن من الأدبي. المهم أُدخلت القسم العلمي غصباً ولم تنفع حججي بأنني أكره الرياضيات وبدخولي القسم الأدبي سأتخلص منها للأبد. وبعد سنتين حصلت على الثانوية بمجموع 73% تقريباً بعد أن نجحت في الرياضيات بقدر الله وقدرته! المهم بعد النتيجة بدأ الهري والزن مرة أخرى حول الكلية التي يجب عليّ الالتحاق بها، ولكنني هذه المرة صممت على ما أريد: (أداب القاهرة ثم قسم اللغة العربية، قسم طه حسين لا غيره!). وكنت أنذاك قد اكتشفت المجلات الثقافية المصرية والخليجية (وهي مصرية أيضاً) مثل العربي والدوحة وغيرهما. وبغرور الشباب كنت أقول لنفسي إذا كان طه حسين وصل لهذه المكانة في تاريخ الأمة المصرية وهو أعمى فيمكنني أن أصبح مثله وأنا مفتح ولله الحمد! وعندما كبرت وعقلت قليلا أصبح هدفي في الحياة - وما زال - هو اعتزال الأمة المصرية جمعاء! المهم عندما ذهبت لتقديم أوراقي في التنسيق اكتشفت أن قسم اللغة العربية بآداب القاهرة لا يقبل طلاب القسم العلمي. وكانت صدمة ما زلت أستشعر وقعها حتى الآن. وعندما تأكدت أخذت الاستمارات وعدت للبيت حزيناً، ولكن جاءتني فكرة أن أكتب آداب عين شمس وكانت تقبل طلاب القسم العلمي ثم أحول منها بعد سنة أو سنتين لآداب القاهرة. وملأت الاستمارات بعد هذه الرغبة الأولى بما تيسر ثم ذهبت للتنسيق وقدمت الأوراق وأنا سعيد بالفكرة. وعندما ظهرت نتيجة التنسيق وجدت نفسي في آداب الإسكندرية. آنذاك كان فيلم يوسف شاهين "إسكندرية ليه؟" في السينما. فذهبت للتنسيق في المدينة الجامعية وسألت "إسكندرية ليه؟" "إسكندرية ليه؟" وتعاركت مع الموظفين فخرج رئيس المكتب وبعد أن عرف مشكلتي قال لي ببساطة "حسب التوزيع الجغرافي كان أمامك آداب القاهرة لكنك كتبت آداب عين شمس رغم أنك تعرف أن هذا خطأ وعقابا لك بعثنا بك إلى آداب الاسكندرية، ولكن أمامك فرصة للتحويل"!. وتركني مذهولا وانصرف وأنا أقول له - ولمن حولي - "ضيعتوني. آداب القاهرة لن تقبلني لأن علمي وأداب عين شمس بسبب التوزيع الجغرافي وليس لدي ما يكفي لأعيش في الإسكندرية". طيب البعض خاطري وقال إنشاء الله ربنا هيحلها من عنده. اشتريت جريدة الأهرام وعدت للبيت وأنا أفكر في التحويل لكلية الحقوق أو كلية التربية. وعندما فتحت الجريدة وجدت حوارا مع دكتور اسمه عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام) من كلية تسمى دار العلوم. كان قد حصل على الدكتوراة من إسبانيا وعاد للتدريس في هذه الكلية التي كنت أسمع عنها للمرة الأولى. وقد تحدث في الحوار عن سبب التحاقه بهذه الكلية وقال أنه عندما انتهى من الثانوية الأزهرية ذهب للأستاذ عباس محمود العقاد شخصيا ليطلب نصيحته فنصحه العقاد بدار العلوم وقال له "عليك بدار العلوم يا مولانا". في اليوم التالي ذهبت لأرى هذه الكلية ومناهجها وأقابل هذا الدكتور فانتظرته أمام أحدى القاعات حتى خرج فسألته إن كان قال هذا الذي في الجريدة. وفي البداية تعجب جدا لأنني تأثرت بالحوار وجئت خصيصا لأستزيده! فقال لي "يااه دا انت على نياتك ومحتاج قعدة طويلة!" وأصطحبني إلى مكتبه المملوء بالطلبة والطالبات، وكان رحمه الله محبوبا جدا من طلبته. ولما حكيت له الموضوع بالتفصيل نصحني - مثل العقاد - بأن أحول إلى دار العلوم وأن آتي إليه بعد ذلك. وبعدها مباشرة ذهبت لآداب السكندرية لأول وآخر مرة وقدمت طلب التحويل وانتظمت في دار العلوم رغم أن التحويل لم يتم إلا قبيل منتصف العام.
آه. الآن وقد عرف أصدقائي في قسم اللغة العربية بآداب القاهرة لماذا وأنا درعمي أحبهم وأميل إليهم، فإني أقول لهم مؤكداً: نعم إنها إحدى عقدي القديمة التي أبوح بها هنا للمرة الأولى!
#الله_يرحمك_يادكتور_عبداللطيف

الأربعاء، 20 يوليو 2016

أن تعرف ماريانا

الأوصاف الدقيقة غير مهمة الآن أو قل أنني احتفظ بها لنفسي، لكن المهم أن تعرف أن "ماريانا" كانت فتنة تسير على قدمين طويلتين، ومن أي ناحية تراها! وأن جمالها ما زال يخايلني حتى الآن! وكنت أتعجب كيف لفتاة بهذا الجمال تترك الفن والموضة وتدفن نفسها في الاجتماع والفلسفة وتضيع عمرها في قراءة ناس معفنين لو رأوها لفتنوا بها عما يكتبون. واتصور مثلاً لو أن واحدة مثل ماريانا دخلت حياة شوبنهور لكان ضرب التشاؤم مئة جزمة وتحول لمذهب الاتحاد وأفنى نفسه في عشق ماريانا. لكن الغريب أن الأولاد كانوا يتعاملون معها بشكل عادي! بينما أشعر أن ماريانا منزعجة من نظراتي مع أنها بالتأكيد طبيعية! المهم أن هذه البنوتة الجميلة كانت مساعدة لأستاذ علم الاجتماع وكانت تدرس لنا المداخل قبل الأستاذ. وعندها لا تعرف إن كانت تدرس فلسفة أم فتنة أم اجتماع فكل هذا جد متداخل متضافر في حركة هرمونية كونية واحدة. المهم حضرت لها فصلا دراسيا واحدا ليته دام إلى الأبد. وقد أحببت كل ما كانت تدرسه، ولو كنا نعيش في الصحراء ولدي بعير لأحب ناقتها بالتأكيد. وفي هذا الفصل كانت تدرس لنا مدخلا لأعمال عالم اجتماع اسمه جورج زيمل عرفت أنها تكتب الدكتوراة عنه. وعندما عرفت أن هذا الرجل كان مغرما بالموضة ودرسنا معها كتابه المعروف "فلسفة الموضة" ورأيت مدى إعجاب ماريانا بالكتاب عرفت مشكلتها! وداخلني عطف جارف عليها وأردت أن أواسيها ولكن لا أدري كيف! وبعد فترة قصيرة دعاني أساتذي المشرف لمركز بحثي يديره لألقي كلمة أو ملخصا عن رسالتي للدكتوراة. وصلت في الموعد فوجدت الأستاذ قادم على دراجته والجميع بيسلم على بعض وبيبوس بعض. وهنا وصلت ماريانا لا أدري كيف فالجميع سلم عليها وقبلها على خديها، وطبعا أنا راجل طبيعي ومش ممكن أشذ عن القاعدة! ولعلمكم أنا أكره الشذوذ كرهي للعمى! فما كان مني إلا أنني سلمت عليها وقبلتها كالجميع، قبلة أخوية على الخد، ولكنها ويا للعجب نظرت إليّ دون الجميع وقالت لي "إحذر لأني قاسية القلب"!. وبينما الجميع يضحك تذكرت قول مهيار: (آه على الرقة في خدودها// لو أنها تسري إلى فؤادها). وبينما أنا سرحان في الملكوت وجماله وتناسقه الذي يدل على عظمة الخالق سبحانه وجدت الأستاذ يربت على كتفي ويقول "ممكن نبدأ الآن". وقد انتهيت سريعا لأسمع الأسئلة، عسى أن يكون بينها سؤلا لماريانا. ولكن لما جاء دورها أخبرتنا أنها وجدت وظيفة في مكتب العمل في آخر بلاد الألمان، وأنها جاءت بالاتفاق مع الأستاذ لتودعنا. واختفت ماريانا قبل أن نبدأ الحكاية. وحزنت لمدة يوم كامل، ولكن كما تعرفون فأنا رجل طبيعي واللي بعيد عن العين بعيد في آخر بلاد الألمان!
#ودي_كانت_نهاية_فرقة_ماريانا
 

الثلاثاء، 19 يوليو 2016

أنف يوسف وهبي.. يا للهول!

كان ليوسف وهبي قبل شهرته أنف فخم ضخم بارز التكوين، يسترعي النظر، ويتقدم صاحبه ويطل على ملامح وجهه كما يطل البرج الأمامي لقلعة صلاح الدين على القاهرة. وكان التفاهم قائما على أحسن حال بين يوسف وهبي وأنفه، إذ كان يوسف يمثل الأدوار الفكاهية بنجاح بسبب خفة ظل هذا الأنف. وآنذاك لم يكن يوسف وهبي معنيا بتمثيل أدوار الفتى الأول في المسرحيات. ومعلوم أن هذه الأدوار تتطلب أن يمتلك من يقوم بها ملامح متناسقة متناغمة، ففي مواقف الحب والهيام تتقارب الشفاة وتتلامس أعضاء الجسم، ويجب أن يتم هذا بسلاسة وهارمونية من غير أن يعترضه أنف فخم ضخم أشم! وبعد أن أصبحت ليوسف وهبي حظوة عند الجماهير أسس فرقة رمسيس المسرحية وأصبح ممثلها الأول، ومن ثم لابد وأن يمثل أدوار الفتى الأول. وكان الجمهور، خاصة السيدات، يحلو له أن يرى يوسف وهبي وهو يرسل الزفرات ويمضغ التأوهات، وقد أمسك الهيام بخناقة، ولكن كان هذا الأنف الضخم الأشم يحول دون ذلك. ولأن يوسف وهبي لم يكن يبالي بأي عائق يقف في سبيل تحقيق النجاح الذي يريده فقد أسلم أنفه لمبضع الجراح الذي أبدع فيه تهذيبا وتأديبا وتجميلا. وكان هذا الأمر عجيبا آنذاك لذا انبهر الناس به وتفننت الصحف في الحديث عنه وعن هذا الأنف الشهيد وأكبرت تضحية يوسف وهبي في سبيل الفن! وفي أول عمل ليوسف وهبي بعد العملية أطل أنف جديد في وجهه، إلا أنه أنف ولا أنف، فقد كان منبطحا على وجهه ولا يستطيع أن يشد له قامة كأنه مادة هلامية أو طبق من الألماظية الرجراجة فيا للهول! (بتصرف عن: "ذكريات ووجوه" لزكي طليمات 1981)

الخميس، 23 يونيو 2016

مطعم سوري اسمه المطبخ اللبناني

اليوم وأنا أنتظر الإشارة في ميدان مايزا ببروكسل اكتشفت على الجانب المقابل مطعما سوريا جديدا اسمه "المطبخ اللبناني"! ما أن اقتربت منه حتى هلت روائح المخللات خاصة البصل. وكل من يعرفني شخصيا يعرف أنني من عشاق البصل المخلل بكل أنواعه عدا المخلل في النبيذ أحمرا كان أو أبيضا! المهم دخلت المحل فوجدت شابة باهرة الجمال، ونحن كما تعرفون في رمضان ولكنكم لا تعرفون أن اليوم حار جدا في بروكسل والناس مش لابسة حاجة تقريباً. المهم قالت لي بفرنسية طليقة "هذا للنباتيين فقط". فقلت في عقل بالي: البنت الحلوة ظنتني من بتوع الهُبر مع أنني شبه نباتي في الفترة الأخيرة. لم أجادل رغم أنني من محبي مجادلة الحسناوات لكن في غير رمضان. وهذه الحسناء كما مر كانت شيئا خاصا وظني أنها لم تكن تلبس تحت مريلة المحل إلا الهوت شورت! سألتها بالفرنسية: وهل أنت لبنانية؟ فقالت: لا أنا سورية. وأنا يا حضرات نقطة ضعفي في الحياة هي الحلويات السورية لذا ألجمت نفسي وارعويت وأخدتها من قصيرها وقلت لها: أريد فقط تجربة المخللات السورية سأشتري ولكن ليس كميات كبيرة. ورغم أنني أخبرتها أنني مصري لم تغير هي فرنسيتها وظلت تذكر لي البابا غنوج والحمص والزيتون والبصل والباذنجان بالأسماء الفرنسية. وعند الباذنجان لنا وقفة! فأنا كما تعرفون أو لا تعرفون يمكن أن أعيش حياتي على الباذنجان والخبز فقط لذا أكثرت منه واشتريت كل أنواع المخللات التي يدخل فيها الباذنجان. المهم الأسعار كانت نار مثل جو بروكسل اليوم ولكنها عملت لي تخفيض محترم ربما بعد أن عرفت أنني مصري أو لأنني زبون جديد. وعندما كانت تضع المخللات في الشنط تأملت المطعم، جميل ونظيف لكن لا أدري هل يستمر أم لا. من خبرتي القصيرة أن السوريين الأغنياء الذين يأتون لبروكسل يفتتحون بداية محلات ممتازة حتى إذا حصلوا على الإقامة أغلقوها وغيروا المجال واختفوا.
#تخاريف_صيام

صيدلية الرجل اللبناني

بالقرب من مسكني وعلى إحدى النواصي الجميلة التي تطل على ميدان شهير ببروكسل كانت توجد صيدلية ملك لصيدلي لبناني ضخم الجثة لكن شكله جميل وجسده متناسق. عندما تراه وتنظر لعيونه الذكية تعرف أنه من النوع المحب للحياة النهم لملذاتها. كانت صيدليته كبيرة، منظمة، حافلة بالزبائن، تقف أمامها سيارات توريد الأدوية مرتين أو ثلاث في اليوم. عندما تجاذبنا أطراف الحديث وسألني عن أصلي وفصلي سألته إن كانت الصيدلية ملكه. تمهل لحظة وقال نعم وأنا الآن بصدد فتح فرع آخر في وسط بروكسل. ومرت شهور وحل محله صيادلة آخرين، يعملون لديه، كان آخرهم صيدليا تونسيا شابا درس الصيدلة في رومانيا وجاء من تونس قبل أسابيع قليلة للعمل في بروكسل بسبب حاجة بلجيكا للأطباء والصيادلة. كان شابا جميلا ناجحا ومغريا لأي فتاة. وعندما قلت له: زميلتك البلجيكية - وكانت جميلة بالفعل - مغرمة بك. ابتسم كأنه يعرف وقال: هي لها صديق وأنا أحب بنت تونسية سأذهب في الأجازة للزواج منها ثم نعود معاً. وهذا ما حدث بالفعل. وبعد فترة اختفت زميلته البلجيكية وعندما سألته قال: أنها انتقلت للفرع الثاني وسط بروكسل لأن صاحب الصيدلية أصبح مشغولا طوال الوقت. قلت: هل سيفتح فرعا ثالثاً؟. قال: لا.. لكن ربنا يستر. وبعد فترة كنت كلما سألت عن دواء يقول لي: يا ريت تسأل في صيدلية أخرى. وعندما أقول: أطلبه لي كالعادة. يقول: لم تعد سيارات التوريد منضبطة كما كانت. وبعد فترة أخرى فوجئت بإعلان تفليس ملصوقا على الصيدلية وبجانبه إعلان بيع! وعندما لمحت الصيدلي التونسي موجودا بين الأرفف شبه الفارغة دخلت الصيدلية وسألته. فقال: لقد أفلس صاحب الصيدلية. قلت: غريبة. ازاي. ده رجل حريص ومفتح يعني؟ فسكت وسكت ثم قال بتردد: القمار لا علاج له. وعرفت منه أن تلك الصيدلية الجديدة للرجل اللبناني كانت تطل مباشرة على أحد نوادي القمار الشهيرة في بروكسل.. بالطبع يمكن للمرء أن يقول كلاما كبيرا حول هذا الموضوع لكن لم أفعل وهو أيضاً لم يفعل. لكن ما زلت اتعجب للمرء يكون متزنا طوال حياته ويبني نجاحه بهدوء وتؤده وفجأة عندما يوشك على الوصول وبعد أن يصبح كهلا يفقد السيطرة ويدمر نفسه ذاتيا دون أن يرغمه أحد! المهم سألت صديقي التونسي عما سيفعل فقال: سأبحث عن صيدلية أخرى لأنني لن أعود لتونس الآن. وبعد فترة قصيرة رأيت شركات التوريد تأخذ ما بقي من أدوية ثم قام البنك وشركة التأمين بالحجز على المكان وإغلاقه.

الاثنين، 23 مايو 2016

معلومات أولية عن ثلاثية نجيب محفوظ

تكمن أهمية الثلاثية، في رأيي بالطبع، في أنها كانت بمثابة رصد فني لمرحلة انتقال كبرى مرت بها مصر في الفترة من سنة 1917 وحتى 1944 وذلك من خلال أجيال ثلاثة تعبر عن الماضي والحاضر وتتجه نحو المستقبل. وكان نجيب محفوظ يهتم فيها بعنصر الزمان قدر اهتمامه بعنصر المكان كما هو واضح في عناوين أجزاء الثلاثية؛ فتغيير مركز الثلاثية المكاني من حي إلي حي كما يظهر في عناوين الأجزاء يبرز "التحولات الكبرى ضمن المجتمع (المصري) والتي تعتبر أقدار هذه الأسرة مثلاً عليها". والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الزمان الذي يمثل عاملاً أساسياً في رواية الأجيال. وقد أهتم نجيب محفوظ بإبراز أن التحولات المكانية مرتبطة بالتحولات الزمنية التي يمر بها المجتمع، وذلك بإحداث نوع من الترابط بين أحداث الثلاثية وأحداث تاريخية معروفة في تاريخ مصر الحديث. وهذا ما يتضح من التقسيم الزمني للثلاثية:
فالجزء الأول "بين القصرين" (1956) يستغرق الفترة ما بين أكتوبر 1917 وحتى إبريل 1919 حيث يبدأ بتولي السلطان أحمد فؤاد العرش سنة 1917 وينتهي بمصرع فهمي عبد الجواد في إحدى مظاهرات 1919. وهي تمثل رصد روائي ليقظة المجتمع المصري ودخوله مرحلة الثورية. ويظهر في هذا أيضاً يظهر ميل نجيب محفوظ إلي التقسيمات الفكرية؛ حيث نلتقي هنا بثلاثة تيارات رئيسية تتمثل في أبناء السيد أحمد عبد الجواد؛ فالتيار السياسي الثوري يمثله فؤاد، والتيار الغارق في ملذاته يمثله ياسين وهو امتداد لشخصية الأب في هذا الجانب، وإن كان له من فضل فهو أنه لم يعش حياتين متناقضتين كوالده ممثل الجيل القديم، وأخيراً الشخصية الأساسية في الثلاثية ككل "كمال عبد الجواد" وهي تمثل التيار الفكري المثالي.
ويستغرق الجزء الثاني "قصر الشوق" (1957) الفترة ما بين يوليه 1924 وأغسطس1927، وهو امتداد للخطين الباقيين من الجزء الأول. وفيه نلاحظ أمرين: شكلي وموضوعي. فعلي المستوى الشكلي هناك حذف ضمني غير محدد مقداره خمس سنوات يمكن الاستدلال عليه من خلال حديث أصدقاء السيد أحمد عبد الجواد في بداية هذا الجزء عن سفر سعد زغلول والوفد المرافق لمفاوضة الإنجليز، وكان هذا في شهر يونيه سنة 1924 أي بعد خمس سنوات علي انقضاء الجزء الأول، وكذلك ينتهي هذا الجزء بموت سعد زغلول 23 أغسطس 1927. وأما علي المستوى الموضوعي فالرواية إلي جانب الرومانتيكية الفلسفية التي تسيطر عليها تبرز العوامل الطبقية كعامل من عوامل إفساد ثورة 1919.
وأما الجزء الثالث والأخير "السكرية" (1957) فتبدأ أحداثه بعد سبع سنوات من انتهاء أحداث الجزء الثاني؛ حيث يستغرق الفترة ما بين نهاية عام 1934 ونهاية عام 1944 وهو يبدأ كالجزء السابق بحدث سياسي كبير (حفلة عيد الجهاد في 13 نوفمبر 1934 والتي ألقى فيها الزعيم مصطفى النحاس خطبته التي دعا فيها إلى الثورة ضد الاحتلال الإنجليزي. وفي هذا الجزء يمكن أن نلاحظ ثلاثة أمور عامة هي: أن هناك حذف ضمني جديد، هذه المرة لمدة تزيد عن سبع سنوات، وأن زمن الرواية يمتد لقرابة عشر سنوات مما أثر علي شكل الرواية وبنيتها، وزاد من هذا أن دروب الرواية تتفرع وتتنوع مع دخول الجيل الثالث إلى مسرح الأحداث. وهذا ما تهتم الرواية برصده ويجب أن نهتم بتحليله. والأمر الأخير أن هذا الجزء ينتهي كسابقيه بحادث موت، ولكنه هذه المرة حادث مزدوج حيث يموت كل من "السيد أحمد عبد الجواد" وزوجته "أمينة".
الحقيقة أن من يقرأ نصوص نجيب محفوظ لا بد وأن يلاحظ أن ثورة 1919 هي أهم أحداث حياته التي خلدها مرارا بأن جعلها منطلقا لكثير من رواياته. إلا أنه لم يكن يؤرخ لها، وإنما لمفهوم التحرر الشامل الذي عم مصر على كافة المستويات وذلك من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد "وكيف ترى أحداث الثورة وتختلط بها، وكيف يتغير وجدانها مع الثورة رجالا ونساءً دون أن يشعروا".
وكما سبق فإن الشخصية الرئيسية في الثلاثية، هي شخصية "كمال عبد الجواد" وهي خير دليل علي النضج والعناية التي وصل إليهما نجيب محفوظ في تصوير شخصياته، وربما كان ذلك بسبب قربها الفكري منه. وهنا ا بد وأن نشير إلى أن نجيب محفوظ أنكر مراراً أنه كمال عبد الجواد وقال مرة: "الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي، فالتطور العقلي لكمال أذكر إنني مررت به تماما خطوة خطوة، ما عدا ذلك لا تعتمد على الشخصية كترجمة ذاتية لأن أساسها كان الخيال للوصول إلى حقيقة فنية وفكرية".
وكمال هذا عاش عدة مراحل من التحرر على المستويات الشخصية والسياسية والعقدية. وهو يمثل الخط العام لتطورات وتحولات الثلاثية من خيال ومثالية كاملة إلى واقع وحقائق علمية؛ نشأ في جو إرهاب عائلي لكنه ثار على سطوة الأب بأن دافع عن رغبته - بل وحققها - في دراسة الفلسفة بدلاً من الحقوق. وكانت مشاركته في المظاهرات تعبيرا عن تململه من سطوة المحتل وربما سطوة الأب. ثم كانت ثورته الكبرى على ذاته، على العقائد والقيم المتوارثة. لقد عانى - كأغلب شباب جيله - أزمة فكرية قاسية، تشبه موجة الإلحاد التي مرت بها شخصيات "القاهرة الجديدة"، شك خلالها في كل شئ فأصيب بالملل والسأم ولم يلبث أن أخرج الله من عالمه مما جعل صديقه القبطي رياض قلدس يرثى لحاله ويقول: "انك تعانى أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثى لك" (السكرية ص 226).

الاثنين، 9 مايو 2016

أم كلثوم ضد التبشير والمبشرين

كلما ذهبت إلى وسط بروكسل أكاد اصطدم كل عدة أمتار بأحد المبشرين، تجده يقف بمفرده وفي يده الإنجيل أو مع مجموعة ومعهم حامل يرصون عليه كتب التبشير ويعترضون الرائح والغادي. وهؤلاء المساكين ينتمون في الغالب لأحد الاتجاهات المسيحية المتطرفة وعلاقتهم بالكنيسة الرسمية غير واضحة. ما أن يلمح سحنتك حتى يتقدم منك بابتسامة عريضة وهو عازم على قطع حبل أفكارك، وفي هذه اللحظة بالذات تخطر في بالي أم كلثوم وكأنها تغني "متبشرنيش مخلاص". فيقول لك "لو سمحت يا أخي في الإنسانية هل أجد عندك دقيقة واحده للرب". ونصيحتي هنا بضرورة البعد عن كل من يلقاك بابتسامة عريضة دون معرفة سابقة. أما عن المبشرين وابتسامتهم فالأفضل أيضاً أن تواصل سيرك كما كنت، لا تقف، ولكن لا مانع من أن تقذفه باعتذار سريع وأنت تبتعد عنه. البعض منا قديما كان يتفاكه وهذا خطر. أنا سمعت مرة واحد يجيب "للرب! ولا ثانية. إنه لا يستحق!". أنا نفسي انزعجت من الإجابة. في الغالب هذا المبشِر وأمثاله لا يعتقد ولا يظن أنك ستتبعه مباشرة وإلا لخاف منك وظن بك الظنون. هو فقط يريد الحوار ويعتبره نجاحا له، لذا لا بد وأن تتجاهله ولا تتوقف ولو لثانية واحدة. أنا أفعل هذا الآن وأقول هذا لنفسي أولاً.
قديما كان يمكن أن أتكلم مع أحدهم لدقائق طويلة. أذكر مرة أن أحدهم وكان ألمانيا ظل يكلمني عن الخطيئة الأصلية، وكيف أن الله غضب على أدم وحواء وطردهما من الفردوس، وفي النهاية بعث ابنه يسوع فتعذب وصُلب ليخلصنا. بالطبع دخلت معه في جدال طويل لكن مألوف، وكنت أقول له "يا أخي أنتم كألمان أهل منطق فكيف تؤمنون بإله يأتي بتصرفات غير منطقية. ما الداعي لكل هذا اللف والدوران. أدم غلط واتربي وخلصنا، فما ذنب بقية الأجيال؟ ولو فرضنا أن لهذا الإله ابنا، وهذا غير منطقي أيضاً، فلماذا يترك الأخرين يعذبونه ويصلبونه فقط حتى يخلص هؤلاء الأخرين من جريرة أدم التي لا ذنب لهم فيها. لو كان إلها منطقيا لغفر من البداية واراحنا من هذه العملية الدموية، وخلصنا من هذا الموضوع وارتحنا من العداوات المستمرة ومن المبشرين الأغبياء" بالطبع كاد أن ينتهي الأمر بشجار.
ولأن مثل هذا السيناريو كان يتكرر كثيرا كنت اضطر لقطع الموضوع وانهائه بأي طريقة. أتذكر أنني كنت أحب التردد على مكتبة معهد اللاهوت في الجامعة. وفي أحد المرات أعجبني كتابين كان أحدهما بمثابة توثيق لعلاقة ديلسبس (بتاع قناة السويس) مع البعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر، خاصة التي كانت تخطط لطريق الحواريين. أما الكتاب الآخر فكان عن تاريخ المبشرين في العالم كله، حياتهم وأعمالهم وكنائسهم فقررت استعارة الكتابين وتصويرهما لمشروع محتمل خايلني في لحظتها. وعندما خرجت من المكتبة جلست في الحديقة المجاورة التي تفصلها عن مكتبة الدراسات الإسلامية. وما أن جلست حتى جاء أحدهم، كنت رأيته قبل أن أجلس وعرفت ماذا يفعل، ولأن أحدا لا يقف له فبالتأكيد سيأتي إليّ. وقد كان وجلس بالقرب مني وقال لي كالعادة "هل ممكن أسألك عن شيء ما" ولأنني كنت أبحث عن تسلية قلت له "تفضل". فسألني إن كنت أعرف يسوع المخلص. قلت "طبعا أعرفه كأنه صديق مقرب لي، فأنا أدرسه وأعايشه ليل نهار". قال "كيف؟ ولماذا؟". فقلت أعابثه "ربما لا تعلم أنني أكبر بروفوسور مصري في مقارنة الأديان. وأنا هنا كي أعطي ثلاث محاضرات عن مخطوطات نجع جمادي، وعن أن أناجيل برنابا ومارية المجدلية ويهوذا الاسخريوطي وحتى إنجيل رمسيس، كلها تعطي صورة أصح للمسيح وأقرب للحقيقة من تلك التي في الأناجيل الأربعة الرسمية لدى الكنيسة وأن.. تعال يأخ انت رايح فين؟". فقال "عن إذنك ده موعد الوجبة الجماعية في الكنيسة". ونفد بجلده.
الآن لم تعد لدي هذه القدرة على العبث والمعابثة، ربما لأنني أصبحت، بعد الخمسين، سريع الملل وأسرع من ذلك في البعد عن الجدال والنقاشات الطويلة. ولذا عندما أرى أحد هؤلاء المبشرين قادما باتجاهي لا أجد إلا الحل الكلثومي الجميل "متبشرنيش مخلاص أنا فاض بي ومليت".

الأحد، 10 أبريل 2016

أنبياء وفلاحون

أترجم الآن نصاً عن الألمانية به كلمتي رابي (Rabbi) ورابين (Rabbiner) وبينما أفكر في المقابل العربي لهما تذكرت الآية الكريمة التي تقول "وكأين من نبي قاتل معه رِبيون كثير فما وهنوا لما أصابهم..". ووقفت عند كلمة (رِبيون) وقبل أن أنظر في التفاسير رجعت لمعجم يتناول الدخيل في اللغات الأوربية المعاصرة، وهذا النوع من المعاجم مهم جدا لمن يترجم. المهم وجدت أن كلمة (Rabbi) أصلها سامي وأنها في العبرية والآرامية (رِبّي) وتعني أستاذي أو معلمي أو سيدي، وأن تلاميذ المسيح عليه السلام كانوا ينادونه (رِبي) وكانوا بالمناسبة يتكلمون الآرامية لا العبرية. وعن العبرية أو الآرامية انتقلت الكلمة إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية (الكنسية) ومنها إلى اللغات الأوربية المعاصرة. أما كلمة رابين (Rabbiner) فتعني مدرس دين أو خطيب أو فقيه في الشريعة (اليهودية بالطبع).
وعندما عدت إلى التفاسير القرآنية وجدت أن المفسرين اختلفوا كالعادة في المعنى، فمنهم من قال أنها تعني (جموع أو ألوف) وهذا في رأيي غير دقيق لأن الآية تقول (رِبيون كثير) ولأن جموع توحي بالكثرة فلا معنى للتوكيد هنا. ومنهم من قال أنها تعني (الرَّبانيين) أي نسبة للرب، ولو كانت كذلك لكانت بفتح الراء (رَبيون). أنا أعرف أن العرب يغيروا التشكيل أحيانا في حالة النسبة ولكن للكلمات العربية. المهم أنا أشرح لك كيف كنت أفكر في الأمر. أحيانا تشعر أن التراث العربي مسلّك على بعضه. لا يفرق كثيرا إذا كنت تقرأ في تفسير أو في معجم أو شرح لديوان شعري، فالمعاني نفسها يعاد صياغتها وترتيبها بما يتناسب مع نوعية الكتاب. يعني لو كان أحد هؤلاء المفسرين يعرف العبرية أو الآرامية لأراح واستراح. لكن من الغريب فعلاً أن تجد فكرة ما خاطئة تتكرر عبر القرون بصياغات متنوعة ولا يهتم أحد بتصحيحها.
المهم عندما قلت خلاص سأجعل الكلمة بمعنى تلاميذ أي حواريين أو صحابة أو أتركها كما هي الآن ويكون كل هذا الكلام هامش، عندما فكرت في هذا تذكرت أن الفلاحين لدينا، في مصر، عندما يحشّون البرسيم يسمون ما ينبت بعد الحشّ (رِبَّة). آه والله هكذا بهذا التشكيل. فمن أين جاءت الكلمة؟ هل هي قبطية قديمة أم دخلت القبطية من الآرامية أو من العبرية؟ ولكن كيف انتقلت من السياق الديني للزراعة والفلاحة؟ على العموم السياقات متقاربة. لاحظ أن الفلاحين لا يطلقونها على أول حشَّة من البرسيم ولكن على الثانية، فلو الفلاح مثل النبي، لكن الفلاح يفلح الأرض والنبي يفلح القلب والعقل، فأول حشّة هي التلاميذ أو الحواريون أو الصحابة وثاني حشّة هي تلاميذ التلاميذ أو التابعين.. معنى ذلك أن (رِبيون) ستكون بمعنى (التابعين).. أنا تعبت خلاص!

الجمعة، 1 أبريل 2016

ومن الحب ما قتل!


من الأشياء المفزعة أيام الدراسة رؤيتنا لزميل الدفعة (سعيد النجار) وهو يقتل زميلتنا في الدفعة (أسماء عبدالفتاح) بطعنات نافذة في البطن والصدر.
الحقيقة سعيد هذا لم يكن متفوقا لا دراسيا ولا اجتماعيا. كان إنسانا خجولا ومنطويا على نفسه وليس ماهرا في علاقاته الإنسانية. واستمر كذلك حتى بدأت معرفته بأسماء فأصبح مشهورا بيننا بحبه لها وبتلازمهما الدائم. وكنا نعجب كيف لبنت بهذا الجمال وتقبل بسعيد هذا. المهم في بداية الفرقة الرابعة ذهب سعيد لأهلها بباب الشعرية وتقدم لخطبتها فوافقوا، وقرأ الفاتحة مع شقيقها الأكبر على أن يكون الزواج بعد التخرج. ولكنه كان كما يبدو من هيئته فقير جدا وغير مستعد للزواج ولكنه يغالط نفسه. وكما يحدث غالبا ظهر شاب آخر مستعد، قيل آنذاك أنه مدرس للرياضيات. المهم هذا الشاب الآخر تقدم لخطبة أسماء فوافق أهلها ووافقت هي أيضاً. وبعد اجازة نصف العام عاد سعيد من قريته فوجد أخبار خطبة خطيبته لمدرس الرياضيات بانتظاره. لا جزى الله البعض منا خيرا ممن بدأوا يسخرون منه. المهم صاحبنا استشاط غضبا فذهب إليها يحدثها بطريقة غير لائقة فنهرته بشدة. وعندما ألح عليها اعترفت له بنبأ خطوبتها لغيره، وأرته دبلة الخطوبة، وطلبت منه أن يبتعد عنها وألا يتعرض لها بعد الآن. ويبدو أنه كابد ليلة عصيبة وعزم على أمر ما. وفي اليوم التالي تجاهل المحاضرات وانتظرها أمام الكلية، وعندما رآها أسرع يلح عليها لتسير معه قليلا لأنه يريد أن يحدثها ويصفي الأجواء معها فوافقت المسكينة وسارت معه. وعندما وصلا إلى الحديقة التي بين كلية الآثار ودار العلوم أخرج سكينا من تحت ملابسه وطعنها في بطنها طعنة نافذة فارتاعت البنت وصرخت بقوة وجرت مبتعدة. ولكن لأن قدرها قد حان تعثرت في سور الحديقة وسقطت على رصيف الشارع بين الكليتين. طبعا صرخات البنت أفزعتنا فجرى البعض منا باتجاههما، ولكنه كان أسرع وطعنها عدة طعنات في بطنها وصدرها قبل أن يصل إليه عامل نجارة بكلية الآثار وضربه على رأسه بقطعة خشب فأغمى عليه. وعندما وصلنا إلى مكان الصراخ لم نر إلا الدماء لأن البعض حمل أسماء وأسرع بها إلى عيادة الجامعة وهناك لفظت أنفاسها الأخيرة. ورأينا سعيدا وبعض العمال والطلبة يمسكونه وهو خائر القوى ومستسلم لهم حتى جاء الحرس الجامعي واستلمه ثم سلموه لقسم الشرطة.
وبعد هذه الصدمة عدنا خائبين. وكانت لدينا محاضرة في الأدب المقارن لدى الدكتور رجاء جبر. كنا ندرس كتابه "الأدب المقـارن بين النظرية والتطبيق". وكان أستاذا عجيبا يتقن الفرنسية والفارسية وهارينا مقارنات بين الآداب الثلاثة، فمرة عن حديقة سنائي وأخرى عن مجنون ليلى في الأدبين الفارسي والفرنسي.. وعندما دخلنا المحاضرة كان الخبر قد انتشر، وكانت الصدمة بادية علينا، والغريب أن تعليقه على الحادثة كان صادماً أيضاً، وما زلت أذكره حتى اليوم حيث قال "أنها ولا شك مأساة شخصية، ولكنها من جانب آخر حاجة كويسة، ودليل على أن الحب موجود وأن مجانين الحب لم ينتهوا". وضحك ثم سكت!
 
 
 
 
 
 

الجمعة، 11 مارس 2016

مدرسة دين ع الموضة

بعد الاعتراف بالإسلام في بلجيكا أصبح من حق الطلبة المسلمين في المدارس هنا - إذا زاد عددهم عن خمسة طلاب – أن يطلبوا مدرسا لمادة الدين الإسلامي وعلى المدارس أن تستجيب. فإن كانوا أقل من خمسة يدرسوا مادة تسمى الأخلاق مع طلبة الأديان الأخرى الأقل من خمسة أو الطلبة من أسر ملحدة. المهم أن في مدرسة ابني عدد كبير من المسلمين لذا جلبت لهم المدرسة مدرسا للدين الإسلامي. كانت المدرسة قديما تتصل بالمركز الإسلامي أو بالرابطة وهذه تبعث مدرسا ذكرا، يكون في الغالب مغربياً ملتحياً ويهتم بتعليم العربية أيضاً. المشكلة أن هذا المدرس كان يتغير كل سنة أو أن الرابطة كانت تتأخر أحيانا في إرسال المدرس، وعندما يمرض لا يأتي أحد مكانه فيظل الطلبة في الحوش أو المكتبة دون مدرس وهذا ممنوع. وبعد الأحداث الأخيرة زاد سبب جديد جعل المدرسة تتولى الأمر بنفسها وأحضرت مدرسة دين إسلامي للأولاد. الولد كان مبسوط من هذه المدرسة أكثر. والحقيقة كان يفهم منها بشكل أفضل، فكلما اختبرته وجدته يعرف الأساسيات بشكل دقيق. وكانت تعطيهم ملخصات ممتازة - بالفرنسية - للموضوعات الإسلامية التي يدرسونها. وبدأت أنا نفسي أعجب بما تفعله المدرسة وكونت في ذهني صورة ما لشخصيتها وهيئتها، لكن الولد قال لي أنها لا ترتدي حجابا. وعندما ذهبت للمدرسة في لقاء الآباء ورأيت مدرسة الدين دهشت لجمالها الفاتن وشعرها الأمازيجي المجنون ولعطرها الذي يعبق به المكان ولفخامة وجمال ملابسها التي تجاري فيها موضة العام التي يغلب عليها اللونين الأصفر والأخضر الباهت. وكان يمكنك أيضاً رؤية نظرات الانبهار والحسد في عيون الآخرين والأخريات. وعرفت أن اسمها ليلى فتذكرت قول المجنون: (على مثل ليلى يقتل المرء نفسه // وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا). وتصورت نفسي أقف خطيبا في الجمع وأقول بصوت جهوري "يا قوم. أبمثل هذه تريدون محاربة الإرهاب؟! إنها الإرهاب نفسه!".

الثلاثاء، 8 مارس 2016

طعمية أمريكاني


عندما ذهبت لسكن الجامعة قيل لي أنني سأسكن مع طالب أمريكي يدعى روي ميلس. فأخذت المفتاح وذهبت للسكن المزدوج. وعندما فتحت الباب قلت لمن بالداخل "أنا زميلك الجديد في السكن". فقال "أنا لست روي أنا صديقه روجيه، وأنا هنا لعدة أيام لأنه سافر في رحلة عبر فرنسا وإيطاليا مع والديه وصديقته وترك مفتاحه لي". فقلت "وهل تدرس أدب ألماني مثله؟" قال "لا أنا أدرس اللاهوت". وعندما عرف أنني مصري سألني إذا ما كنت قبطياً. فتفلسفت وقلت "هل تعرف أن قبطي تعني مصري ولذا يوجد قبطي مسيحي وقبطي مسلم مثلي". فابتسم وسكت ثم قال "على العموم أنا ضيف هنا لمدة قصيرة" وانصرف.
وفي المساء وعندما كنت أفكر في أن ميلس الحمار جاء لي بإسباني كاثوليكي متعصب، وأنه لو استمر معي فترة طويلة ربما يتحول الأمر لمحاكم تفتيش، ويحرقني في ميدان السكن الجامعي وأنا أردد أحد أحد. وفجأة سمعت ضحكة رقيعة أمام السكن، وفتح روجيه الباب ومعه بنت إسبانية جميلة وصغيرة ولكنها تبدو ذات خبرة عريضة بالحياة! وطوال الليل يا محترم صراخ وتأوهات وليس بيننا إلا حائط واحد. فقلت لنفسي "يا دي النيلة يا ولاد. التلفزيون فيه أفلام سكس، والحجرة المجاورة فيها أفلام سكس. ليه كدة يا دنيا؟ يعني ننتحر احنا بقي؟". فعملت مثل صديق لي ولبست ملابسي، في عز الليل، وخرجت اتفسح في الشوارع الفارغة ومحطة القطارات التي لا تنام، وعندما عدت كان ربنا خمدهم فنمت أنا أيضاً. ولما استيقظت اكتشفت أن الولد الإسباني والبنت تبعه اختفيا. "خسارة كنت عاوز أسأله لماذا يدرس اللاهوت أو إذا كان قسيسا في الكنيسة". وخطر في بالي أن القساوسة ربما يفضلون الغلمان!
وبعد فترة قصيرة رن أحدهم الجرس ولما فتحت وجدت أمامي شابا طويلا جدا، شعره منكوش جدا، وفي وجهه نمش كثير جدا. وكان أصغر مني جدا لأنه ما زال طالبا في الجامعة. وسألني بلكنة أمريكية إن كنت أتكلم الإنجليزية. فقلت له "نعم ولكني أفضل الألمانية". فطلع لبلب الصراحة، وقال لي أن اسمه روي ميلس وأنه زميلي في السكن. فذكرت له اسمي وسألته "لماذا ترن الجرس؟" فقال "زميلي روجيه وعدني أن يترك المفتاح في صندوق البريد ولكنه نسي". فقلت له "هذا طبيعي ومتوقع"، وحكيت له الحكاية فقال "Schieße" وهي كلمته المفضلة كما سأعرف فيما بعد، وهي بالمناسبة كلمة عيب فانسوها. وذهب لسريره ونزع الأغطية بقرف. ثم سألني من أين أنا. فقلت "من مصر". فصرخ بصوت عالي كما سيفعل دائما: "ايه؟ مصر؟ وهنا؟ مش ممكن؟" فسألته "ومن أين أنت؟" فقال "من أريزونا بأمريكا". فتغابيت وقلت: "ماذا؟! أريزونا؟! وأين تقع أمريكا هذه؟!" فضحك وقال: "أنا تعجبت فقط لأنني في أمريكا كنت أعمل في الأجازة في مطعم مصري لسندوتشات الفول والطعمية"! وأخبرني أنه حفظ كل الشتيمة المصرية خاصة بالأم! وكان يريد أن يسعدني بذكر بعضها أمامي. فأسكته بالطبع وقلت له "معرفتك انت وصاحبك تشرف الصراحة". فقال وهو يدخل حجرته "يبقى فكرني في مرة أعملك طعمية".

السبت، 30 يناير 2016

حوار مع الطيب صالح

في يونيه 1999 زارنا الطيب صالح في جامعة بامبرج بعد أن زار عدة مدن ألمانية مثل برلين وليبزج ودرسدن وبامبرج وماربورج بدعوة من دار الكتاب الألماني فى لايبزج. وكان الهدف من الزيارة الحديث عن تجربته الإبداعية قراءة أجزاء من روايته "موسم الهجرة للشمال" والنقاش مع الطلبة والحضور.
وقد سعدت آنذاك بأن أكلف بمرافقته لتعريفه بالمدينة وتسهيل الأمور عليه فيها. وكان ينزل في فندق بالقرب من الجامعة يسمى "فيلد روزا" أي (الوردة البرية). وفي اليوم الأول أراد التعرف على المدينة القديمة لأنها بقيت على حالها منذ العصور الوسطى (والصورة هنا أثناء التمشية وكما ترى في يده كتاب سياحي عن بامبرج القديمة). وقال لي آنذاك أنه مفتون في هذه الفترة من حياته بتاريخ العصور الوسطى الأوربية وفنونها خاصة موسيقى الإنشاد الجريجوري اللاتيني، وسألني أين يمكن أن يجد محلا لبيع اسطواناتها فاصطحبته إلى أحد محلات الموسيقى فاشترى واحدة. ثم عدنا ليستريح قليلا قبل الندوة. وللحقيقة كان مبدعا في الألقاء قدر إبداعه في الكتابة.
وبعد الندوة ذهبنا لأحد المطاعم الفخمة، وجلسنا في الداخل بجوار أحدى النوافذ، وما زلت أذكر المنظر الذي كنت أراه من النافذة ليلا. وكان هو بالطبع مركز الحديث، ولم أحاول مزاحمته أو ازعاجه في شيء. فقط كنت أعرف أنه أحد العالمين بالمتنبي ومن رواة شعره، فدخلت معه - على سبيل المداعبة - منافسة في إلقاء ما نحفظ من شعر المتنبي وبالطبع هزمني أمام الجميع. وقد تعجبت الأستاذة فيلاند من حفظنا لشعر المتنبي وسألت الطلبة الألمان إن كان أحدهم يحفظ شيئا لجوتة أو غيره من الشعراء الألمان فلم يجبها أحد. وكان الطيب صالح يتجاوب معنا بحب ويوزع اهتمامه على الجميع، وأذكر أنه سأل أصغر الطلبة الألمان، وكان شديد بياض البشرة، شديد الحياء وأي إحراج يظهر مباشرة على وجهه، سأله لماذا يتعلم العربية؟ وكأنه يقصد أنه ما زال صغيرا ويمكنه أن يبحث عن تخصص آخر. فقال الولد أنه شبَّ مع أسرته في إسبانيا، وأنه كان مبهورا بجمال المعمار والموزاييك هناك، ولم يكن يعرف لماذا تختلف إسبانيا عن بقية أوربا؟ وعندما كان في السادسة عشرة من عمره، أي قبل سنتين فقط، ذهب مع أمه إلى فاس في المغرب وهناك فقط عرف إجابة سؤاله عن سر تميز إسبانيا، وفرح أنه وجد الإجابة بنفسه وقرر أن يعرف هذه الحضارة ويدرس لغتها". صراحة بعد هذه الإجابة انكسفت أن أزعجه فيما بعد بأي طريقه.
وفي نهاية الليلة أضحكنا الطيب صالح وهو يحاول ترجمة اسم المستشرقة الألمانية روتراود فيلاند إلى العربية. وأخذ يقلب اسمها الأول في ذهنه ثم زعم أنه يقابل في العربية اسم (رضوى) لقرب الجرس أما المعنى كما قال فلا داعي له لأن الاسم العربي يعجبه وهذا يكفي. وفي هذه الليلة طلبت منه حوارا للنشر أسأله فيه عما أحب ويتكلم هو كما يحب دون أسئلة. وتواعدنا صباحا قبل أن يغادر إلى برلين.
وعند انتهاء الحوار قلت لنفسي أنه حوار مهم بالفعل ولكن لم أدر ماذا أفعل به آنذاك. وكنت أكره الصحافة - عن تجربة - ولذا عزمت على ترك الحوار في الدرج واستخدامه فيما بعد في أي دراسة أنشرها عنه. وبعد عدة أيام اتصل بي من برلين طبيب سوداني اسمه (حامد فضل الله) وقال لي أنه سأل الطيب صالح حوارا لمجلة سودانية فأشار عليه أن يتصل بي ليأخذ نسخة من حواري معه لأنه أفضل حوار عمله! رغم دهشتي أرسلت له - دون مبالاة - نسخة من الحوار وطالبته إذا نشره أن يكون باسمي فوعدني، ولكني لا أدري هل فعل أم لا؟! وقد اكتفيت آنذاك بإجابات الطيب صالح وحذفت أسئلتي التي لم أعد أذكرها، مما جعل الأمر يبدو وكأن الحوار مقالة ذاتية للطيب صالح، خاصة وأنني سجلت كلماته كما نطق بها.
وبعد الحوار جاءت المستشرقة فيلاند لتشاركه الغذاء، وكانت قد دعتني أيضاً. وبعد الغذاء خرجا وأنا معهما نتمشى. وتحدثنا طويلا. نميمة ثقافية مما تشتاقه الأنفس وتلتذ به. وعندما وصلنا للأحراش خارج المدينة وهممنا بالعودة فوجئت بأن الطيب صالح يسأل الأستاذة فيلاند إن كان لديها شغل له كأن يدرس أحد الكورسات للطلبة ولو لمدة فصل دراسي واحد. نطق بهذا الطلب بصعوبة وسكت. وتملكتنا الدهشة فسكتنا نحن أيضاً. وسرنا بالقرب من النهر عائدين لوسط المدينة. وفيما بعد أقنعت نفسي أنه يعاني مللا ما أو أنه يبحث عن تجربة جديدة.
 
 نص الحوار:
(1) ولدت فى قرية تقع بين البدو والنوبيين فى وادى حلفا بشمال السودان عام 1929. تعلمت قليلا من القرآن بكتاب القرية ومدرستها الابتدائية ثم التحقت بمدرسة "وادى سيدنا الثانوية" على حدود الخرطوم. هذه المدرسة كانت إحدى مدرستين كبيرتين فى عهد الانجليز وكانت الأخرى تدعى "حنتوب" بالجزيرة.
(2) أنا أقول حين أسئل بأنني لم أرد أن أكون كاتبا السبب لأننا فى السودان حين دخلنا الجامعة فى آخر الأربعينات كان عددنا قليلا وكنا نفكر فى أن نتعلم أشياء مفيدة لوطننا مثل الط...ب والهندسة والزراعة والبيطرة. ورغم حبى للأدب وللغتين العربية والإنجليزية إلا إنني شرعت فى دراسة العلوم. كنت أريد أن أدرس الزراعة لأن أهلي من بيئة زراعية، وكان صعبا بالنسبة لأهلنا - وكان أغلبنا من القرى - أن نقول عندما يسألوننا ماذا تدرسون؟ أننا ندرس الأدب! مجتمعنا يعرف ولا شك قيمة الأدب لكن كشئ اضافى!. والآن وبعد أن أصبحت كاتبا ليس عندي هذا الالتزام الكامل!
(3) اشتغلت لمدة عامين بالتعليم، وقضيت فترة بمعهد "بخت الرضا" وكان معهدا مشهورا جدا أسسه الانجليز أيضاً، وكانت به تجارب تعليمية متقدمة، وأساتذة كبار تقلدوا مناصب كبيرة فى السودان بعد الاستقلال مثل المرحوم عبدالرحمن على طه والمرحوم مكى عباس والدكتور أحمد الطيب. ثم ذهبت إلى لندن عام 1953 منتدبا من حكومة السودان لمدة خمس سنوات للعمل فى هيئة الإذاعة البريطانية (.B.B.C) فى هذه الفترة درست العلوم السياسية فى جامعة لندن. وعدت للسودان فى عهد الديمقراطية الثانية وعملت مستشارا فى وزارة الإعلام لكنني عدت بعد عام واحد إلى هيئة الإذاعة البريطانية بلندن. وفى عام 1974 التحقت بالعمل فى حكومة قطر مديرا عاما لوزارة الإعلام القطرية وأصدرت خلالها جريدة "الإعلام". وفى عام 1980 التحقت بالعمل فى اليونسكو فى باريس وتعلمت آنذاك شيئا من الفرنسية. وفى عام 1985 أرسلوني للخليج كممثل لليونسكو. والآن أنا متقاعد وأقيم فى لندن.
(4) بدأت أكتب فى لندن. والكتابة بالنسبة لى كانت عبارة عن إقامة جسور تواصل مع العالم الذى تركته فى السودان. كتابة فيها نوع من الحنين. ومن أوائل القصص التى كتبتها قصة "نخلة على الجدول" فيها هذا الإحساس بالحنين إلى أهلي فى السودان. ثم كتبت بعض القصص حتى لم أعبأ بنشرها، وفى أواخر الخمسينات كتبت قصة "دومة ود حامد" ونشرت القصة أظن عام 1960 فى مجلة "أصوات" التى كان يصدرها فى لندن باللغة العربية صديق انجليزي أصبح فيما بعد المترجم لكل أعمالي هو المستشرق المعروف "جونز ديفز". ترجم ديفز هذه القصة إلى الانجليزية وأرسلها إلى مجلة أدبية كبيرة تصدر فى لندن ولدهشته الشديدة قبلوها فورا ونشروها. بعد ذلك بقليل ذهبت إلى أوكسفورد لزيارة أصدقائي وقابلت بعض الأساتذة الانجليز فقال لى أحدهم: قصتك أحلى من قصة نورمان ميلر التى نشرت فى العدد نفسه. وأن ميلر يمكنه أن يتعلم منك!. قلت: سبحان الله! نورمان ميلر كان آنذاك كاتبا كبيرا بينما لا يعرفني أحد! قلت لنفسي "والله يبدو أننى استطيع أن أصبح كاتبا!". وصارت الأمور بعد ذلك كما تعرف، وصدرت روايتي المعروفة "موسم الهجرة للشمال" وقد صدرت للمرة الأولى فى مجلة "حوار" البيروتية عام 1966 وكان يشرف على تحريرها توفيق صايغ، وقد ساعدنى على نشر "عرس الزين" أيضا. ثم نشرت "دومة ود حامد" وثلاثية "بندر شاه" التى صدر منها قسمان: "ضوء البيت" و"مريود" ومازلت أحاول منذ عشر سنوات إنهاء الجزء الثالث ولكن شغلتنى عنه مشاغل الدنيا!
(5) يقال أن الغربة عموما لها أثر فى الأدب، وأظن لو لم اغترب وأعيش فى انجلترا ما كتبت "موسم الهجرة للشمال". وهذه الرواية هى رواية غربة ومنفى. منفى بالمعنى العام لأنني ذهبت باختياري ولكن فيها أحاسيس حادة وإحساس بأن الشخصية الرئيسية فى الرواية أصبح فى اللامكان…عموما لا أريد أن استفيض فى شرح ما قصدت فهذا شغل الأساتذة الكبار وما أنا إلا كاتب مسكين!
(6) تأثري بالأدب الانجليزي لا ينكر خصوصا الرواية الانجليزية فى القرن 19 جورج اليوت ورتشاردسون. وبالطبع كان لش...كسبير تأثير كبير خاصة مسرحيتي "الملك لير" و"ريتشارد الثالث" وكذلك تأثرت "بقلب الظلام" لكونراد هذا إلى جانب كتاب مثل ديكنز وفولكنز. وكانت استفادتي أكثر فى مجال التكنيك.
(7) لو أعدت كتابة "موسم الهجرة للشمال" فسأغير الكثير، فالبيئة التى عاش فيها هذا الشخص وهى بريطانيا قد تغيرت بشكل كبير فأحداث الرواية تدور فى فترة ما بين الحربين العالميتين لذا نجده يردد عبارة "جرثومة العنف الأوروبي الأكبر" الآن الوضع مختلف. فهو لعب من الناحية السياسية على فكرة أنه ينتمى إلى أمة مستعمرة الآن كل الدول الأفريقية استقلت. الآن توجد مشاكل من نوع آخر. كذلك التطور الكبير فى وسائل الاتصال سيضعف ولا شك من اعتماد الرواية القوى على فكرة السحر أو الأكزوتيزم فمثل هذه الأوهام لا تباع الآن!
(8) قد تفاجأ عندما اذكر لك أن الأسماء التى تتكرر فى رواياتى هى هى نفس الأسماء، لأنني ومنذ أن بدأت الكتابة اكتب عن نفس القرية "قرية ود حامد" بنفس شخصياتها وكل شخصية من هذه الشخصيات ترمز لمجموعة من الأخلاقيات. لقد تغيرت ود حامد الآن كثيرا. حتى الراوى فى "موسم الهجرة للشمال" حينما عاد للقرية عاد وخيال القرية القديمة فى ذهنه لكنه لم يجدها كما كانت وجدها قد تغيرت.
(9) لى مدة لم اكتب رواية لكننى لم أتوقف عن الكتابة فأنا اكتب منذ قرابة عشر سنوات صفحة فى مجلة عربية تصدر فى لندن بعنوان مجلة "المجلة". وفى هذه الصفحة مارست نوعا من الصحافة الأدبية. كتبت عن رحلاتى فى العالم واستغليت هذا الشكل للكتابة عن ثقافات وشعوب مختلفة مثل شعوب استراليا الأصلية وهى شعوب لها ثقافتها الجميلة جدا. كتبت عدة مقالات عن شاعر أموي لم يدرس بعد بصورة جيدة وهو "ذو الرمة" وهو شاعر مهم جدا لما لديه من ملامح كثيرة للمعاصرة مثل حبه للبيئة والطبيعة والحيوان ، وكتبت عن أبى العلاء والمتنبى وعن الشاعر السودانى الكبير "الحردلو" من أواخر القرن الماضى. كما ترجمت جزءا كبيرا من كتاب المؤرخ الفرنسى فرناند روديل "هوية فرنسا". وأعتقد أن فى هذا إبداع مثل غيره. فالطاقة الإبداعية يمكن توجيهها فى مسارب مختلفة. ولكنى لسبب ما توقفت قليلا عن كتابة الرواية لأن المشروع الروائى الذى أعمل فيه (الجزء الثالث من بندر شاه) تعقد جدا والواقع كذلك. وأنا عموما لا أؤمن بالكثرة. صحيح أن الغزارة فى الإنتاج مع الجودة شئ جميل لكنه لا يتوفر. ثم إننى أقرأ كثيرا فى التاريخ والسير وعلم الاجتماع وبقية العلوم الحديثة التى لها صلة بالأدب... لو تمكنت فيما بقى لى من كتابة ثلاث روايات لكفانى.

الأربعاء، 27 يناير 2016

كتابة الفرنسية بدون معلم

أحيانا عندما لا أعرف كيفية كتابة كلمة فرنسية فإنني أكتبها مثل الألمانية! ولكن في الألمانية أنت تكتب ما تسمع أما في الفرنسية فتكتب ضعف ما تسمع! المشكلة أن ابني لم يعد يطيق صبرا، وأخيرا تملكته الشجاعة وصارحني بالأمر: "يا بابا انت بتكتب الفرنسية غلط غلط غلط. فين الأكسنت؟ وفين السيركونفليكس؟ وفين حتى النقاط؟". فأقول له مداريا خجلي "يا ابني أنا أنسى النقاط حتى في العربية". وتفاكهت مرة وقلت "أن الأسهل لي أن يغير الفرنسيون طريقة كتابتهم للفرنسية! يعملوا مثلا... ثورة في كيفية كتابة الفرنسية. فالحين بس كل شوية يقترحوا علينا تغير الحروف العربية طيب يغيروا بس السيركونفليكس وبعدين يقترحوا زي ما يحبوا!". وقلت مرة "أنا كنت أظن الفرنسيين عباقرة في الكتابة الفرنسية، وعندما اهتممت بالأمر تبين لي أن نسبة كبيرة بينهم لا تجيد كتابة الخط الفرنسي! مساكين زينا يعني بس بيكابروا". ويظل ابني ينظر لي ويبتسم وزوجتى تنظر لي وتبتسم وتقترح أن آتي بمدرس خصوصي للخط وأنا أرفض لأنني لا أحتاج للكتابة بالفرنسية. وفي النهاية أخذتني الحماسة وعاهدت الجميع على الاهتمام بالأمر وذهبت لأكبر مكتبة لغات في بروكسل واشتريت كتابا ضخما بعنوان "الكتابة خطوة خطوة".

الثلاثاء، 26 يناير 2016

نايم على وداني

كان أبي معجبا بعكوفي الدائم على المذاكرة، ولم يكن المسكين يعرف أنني أضع المجلات في كتب المدرسة وأقرأها طوال الوقت. وفي أحد الأيام صحبني معه لعيادة أحد الأطباء الجدد في بلدتي. وعندما دخل للكشف اكتشفت أن الطبيب لديه أعدادا من مجلة تسمى "الدعوة" وبداخل كل عدد مجلة أخرى للأطفال، فأخذت عددا رسم عليه رجل ضخم له لحية أضخم من لحية أجعص شيخ في البلد، وكان مكتوبا إلى جواره "كارل ماركس عدو الإسلام". فقلت لنفسي "يا خبر إزاي شيخ بلحية ضخمة كده ويبقى عدو للإسلام". وأخذت أقرأ لأتبين عداوته للإسلام، ولكن الكشف خلص وخرج أبي مع الطبيب الذي رآني منهمكا في القراءة فتبسم وشجعني على القراءة. فقلت لنفسي "أكيد طالما طبيب وبيشجعني يبقى زي الدكتورة حكمت وهيعطيني المجلة" فأمسكت المجلة وقبل أن أفتح فمي بكلمة أخذها مني ووضعها في مكانها مع الأعداد الأخرى ودخل حجرة الكشف. نظرت لأبي وقلت "خسارة كنت عاوز أعرف الرجل عدو الإسلام ازاي" فجذبني من يدي وقال "يكفيك المجلات التي تشتريها كل أسبوع وبتستغفلني وتحطها في وسط الكتب وتقرأها". فقلت "الله انت عارف؟" فقال "امال فكرني نايم على وداني".

شيوخ المفرمة

عندما زارنا نصر أبوزيد في جامعة بامبيرج (سنة 2000) كان ذلك دورة لطلبة الدكتوراة لمدة شهر مقسمة على مرتين وموضوعها "التأويل في التراث الإسلامي" ربما سأكتب عن تلك الدورة في يوم ما بتوسع. المهم كنت أعرف د. نصر من قبل وكان يعرفني لكن معرفة سطحية. المهم تقاربنا منذ أول يوم رغم أنه في كرسي الأستاذية وأنا في كرسي طالب الدكتوراة، وكنت أنا رفيقه طوال الفترة منذ الصباح وحتى موعد النوم!. بعد ...المرة الأولى عندما عاد إلى لايدن أرسل لي طردا ضخما فيه كل كتبه موقعة ومهداة. وبعد انتهاء دراستي في ألمانيا كنت أرسل كل كتبي بالبريد على مصر. كل الكتب مرت إلا طردين. طرد به كتب ألمانية ببعضها صور متخيلة للنبي محمد (ص)، والطرد الثاني كما توقعت كان به كتب نصر حامد أبوزيد. سألت في بريد رمسيس ووجدت الكتب، ولكن قيل لي أن الأزهر هو الذي صادر الكتب ولا يمكن إعطائي الكتب إلا من هناك. ولابد وأن تذهب بالكتب مع موظف من عندنا إلى مكتب رقابة الأزهر بمدينة نصر،. ذهبت مع الموظف إلى شارع يوسف عباس وقابلت شيوخ الرقابة. كانوا ثلاثة في المكتب يقرأون الصحف ويحلون الكلمات المتقاطعة ومع ذلك قالوا بأن ليس لديهم وقت ولا بد من العودة في يوم آخر. كاد موظف البريد أن يشخر للشيوخ، وقال: أنا اللي معنديش وقت، ولابد من مراجعة الكتب الأن وإعطاء الدكتور ما لا يهمكم. فوجئوا بلقب دكتور فاهتموا فتحوا الطردين، وبدأوا تقسيم الكتب بطريقة فكاهية فقال كبيرهم: "هذا لك وهذا للمفرمة.. هذا لك وهذا للمفرمة". المهم صنع كومتين من الكتب. حتى وصلنا إلى كتب د. أبوزيد فقال: "هذه بالطبع للمفرمة". طبعا هذه المرة نسيت الدكترة وكدت أنا أن أشخر للشيخ وقلت له: "لماذا؟ دا لو حضرتك رحت لحد مكتبة مدبولي ستجدها في الفاترينة وعلى الرصيف عادي!". فقال: مش مشكلتي الكتب دي دي في "البلاك - ليست" بتاع الأزهر. كنت أسمع لأول مرة إن الأزهر - مثل الفاتيكان - لديه (بلاك – ليست). ثم أعطاني هذا المثل المبهر: "مش حضرتك الحشيش ممنوع في البلد. ممنوع ولا مش ممنوع؟ قلت: ممنوع. قال: لكنه مالي البلد، وإذا بوليس المكافحة وجد حد معاه حشيش بيصادرها ولا بيقول دي ملية البلد وعند مدبولي. هه جوابني يا دكتور". طبعا تجاهلت تشبيه كتب د. أبوزيد بالحشيش وقلت: بيصادرها طبعا. قال: "أهو أنا زي بوليس المكافحة لازم أصادرها. ولا هي المفرمة دي مش عايزة تاكل برضه". وضحكنا جميعا وقلت له: "الكتب دي عليها إهداءات وأنا عاوزها فهل من الممكن اروح لحد مكتبة مدبولي اشتري لحضراتك نسخ أخرى للمفرمة وتديني دي". أصغر الشيوخ كان متعاطف معي، ولكنه لم يتكلم منذ البداية، وهنا لا أدري لماذا أسرع بالموافقة فكبس الشيخ الأول فقال: "لو جبتهم النهاردة ماشي". وهذا ما حدث.
 
 

الاثنين، 25 يناير 2016

أول مرة قراءة

ما زلت أذكر بوضوح أول مرة عرفت فيها القراءة. كنت صبياً مريضاً ومحجوزاً في مستشفى حكومي كرهته من أول نظرة وصممت على عدم البقاء فيه. آنذاك رأتني طبيبة شابة وفهمت أنني أشعر بغربة وخوف فبدأت تتألفني بحنو غير مألوف بالنسبة للأطباء. وعرفت أن لديها ابنا صغيرا في مثل سني. وفي اليوم التالي جاءتني بمجلات ابنها القديمة: تان تان وسوبر ميكي وكابتن سمير ومجلات أخرى لا أتذكرها، وقالت لي "هذه ستسليك ولن تشعر بغربة". وما زلت أذكر وقع الصدمة التي شعرت بها عندما فهمت ما جائتني به. فقد كانت هذه أول مرة أعرف فيها أنه يوجد شيء يقرأ عدا القرآن وكتب المدرسة، ولم يكن يوجد في بيتنا غير هذا. المهم أنني دخلت سريعاً في أول مرحلة من مراحل الإدمان، فكنت أبحث عن هذه الطبيبة في المستشفى كله، وعندما أجدها أسألها إن كانت قد أحضرت مجلات أخرى لي. فتتعجب وتعدني وفي اليوم التالي تفي بما وعدت وتأتيني بأخرى. وظللت على هذا الحال لمدة شهر تقريباً. وعندما عدت لبيتي عدت بحمل بعير صغير من مجلات الأطفال القديمة. أي أنني ذهبت لأستشفى من مرض ما فعدت بمرض أفدح هو القراءة! ورغم أنني لم أر هذه الطبيبة بعد ذلك أبدا إلا أنها ظلت تخطر في بالي لسنوات طويلة، بل ما زلت أذكر حتى الآن أنها كانت تدعى (حكمت).
 

السبت، 23 يناير 2016

المصوراتي البلجيكي

ذهبت الآن لعمل صور جواز سفر، فاخترت محل تصوير شكله متواضع حتى لا يكون غاليا. يعمل بالمحل شابين بلجيكيين في الثلاثين تقريباً. عندما جاء دوري سألني أحدهما "لأي دولة؟" فقلت "مصر". وبعد أن صور قال لي "أربع دقائق لا غير" فانتظرت وأخذت أراقبهما. يبدو أنهما في الأربعين لا الثلاثين، وهما يعملان بخبرة واحتراف والتناغم بينهما كبير. المهم خلصت الصور فقصها الثاني وقال لي "عشرة يورو". دفعت ورأيت الصور فقلت "أظن الصور أصغر مما نحتاجه في مصر". فقال الأول "لا يمكن" فأخرجت ...الجواز القديم وقارنت وهو ينظر. الصورة في الجواز تبدو أكبر قليلاً من كل ناحية. مباشرة ذهب الرجل لأحد الأرفف وأخرج أكلاسيرا ضخما مكتوب عليه "أفريقيا" وفتحه فإذا به صور بالحجم الطبيعي لكل الجوازات التي تصدر في قارة أفريقيا. وبينما كان يقلب عن مصر نظرت للرف فوجدت أكلاسير لكل قارة. ووجد الرجل اسم مصر وصورة للجواز المصري الجديد وأوصافه بالفرنسية إلى جانبه ومكتوب فيها ثلاث صور مربعة بخلفية بيضاء مثل الجواز الأمريكي. وقال لي "هي. هي.. ولكن.." وجلس أمام الكمبيوتر وبحث في صفحة خاصة بكل جوازات العالم وقال "ربما جد جديد لكن لا أجد شيئاً". فقلت "والله جميل ما تفعل. ولكن لا تضع وقت حضرتك فأنا سأدفع للصور الجديدة". فقال "ولكنني يجب أن أعرف إذا كان هناك تغيير". قلت "جميل وسكت". فقال "جميل. سأطبع لك صورا أكبر قليلا ولكن أربعة لا ستة". وبعد أربع دقائق أخرى جاءت الصور وقصها وقال لي "خمسة يورو. لأن هذه خدمة إضافية".

الثلاثاء، 19 يناير 2016

الدفاية عند قدميّ

درجة الحرارة في بروكسل الليلة 15 درجة تحت الصفر. ويوجد احتمال بأن الكهرباء لن تتحمل الضغوط عليها. فأنا عملت زي الناس اللي بتخزن البضائع وقت الأزمات وفتحت دفايات السكن كلها حتى أخزن شوية دفا، ومع ذلك لا أشعر بأي دفء لشدة البرودة في الخارج. وتذكرت أن لدي في البدروم دفاية اشتريتها للطوارئ فجئت بها ووضعتها بالقرب من مكتبي. وعندما وصل الهواء الساخن إلى قدميّ شعرت بأسى ونوستالجيا قوية وتذكرت أستاذي الجليل والعتيق جداً د. على الجندي رحمة الله عليه، وكان أحد الشخصيا...ت الأسطورية في دار العلوم. وآخر عهدي به عندما كان يدرس لنا في التمهيدي مناهج البحث في الشعر الجاهلي الذي كان قد درّسه لنا في السنة الأولى من الكلية من خلال كتابه الشهير "تاريخ الأدب الجاهلي" (1966) وكنا ندرس الطبعة الضخمة التي أصدرتها دار المعارف سنة 1985. كالعادة لم نعرف قيمة الرجل إلا بعد فوات الأوان. لكن ما شغلنا آنذاك أن الرجل كان "كراكتر" مغرى جدا بالنسبة لنا كطلاب صغار. فالرجل كان أحد بقايا دار العلوم القديمة حين كانت في مبناها القديم في حي المبتديان (مكانه الآن حديقة دار العلوم). وحين نقلت الكلية سنة 1980 إلى حرم جامعة القاهرة انتقل هو معها، وظل بها حتى خرج على المعاش ثم عاد إليها أو استمر بها كأستاذ متفرغ. وكانت له تقاليد راسخة في المجئ والإنصراف. فكان يصل الكلية بسيارة "كاديلاك" موديل قديم جدا ربما يعود للخمسينيات. فتقف السيارة أمام سلم الكلية بالضبط، وينزل هو منها بصعوبة ولكن دون مساعدة. ويقف عند أول درجات سلم الكلية فيتوقف إيقاع الكون للحظات يهش فيها كل من هو أمامه فنختفي جميعا، حتى حرس الكلية لا يبقى منهم إلا حارس أسمر وقديم جدا. ويصعد هو السلم بمفرده لا يريد مساعدة أيضاً، وإذا ما وصل إلى آخر درجات السلم يعطيه الحارس العجوز التحية الواجبة. والغريب أنه يرد عليه تحيته، وربما كان هو الوحيد الذي يرد عليه في الكلية كلها. وكنا ننتظر محاضراته في الشعر الجاهلي بشوق وترقب فإذا غاب، ونادرا ما كان يفعل، تجدنا نتندر ونقول "الدكتور علي ركب الناقة وشرخ". وكانت محاضراته مقسمة بالقسط بين موضوعها وبين الضجر من الحياة والتبكيت الراقي لكل الأجيال التي مرت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين حتى جيلنا، وهو في رأيه بالطبع أعظمها انحطاطا. وبعد أن اجتزنا المراحل كلها ووصلنا للتمهيدي وجدناه ينتظرنا، ضمن المقرر. وعندما دخلنا مكتبه للمرة الأولى، أظن في ديسمبر سنة 1988، وجدناه قد بلغ من العمر عتيا ولكن عقله كان يقظاً كما عهدناه دائماً. كنا تقريبا عشرين طالباً فنظر إلينا وقال "إن شاء الله كلكم راسبون دون مقاطعة". ضحكنا للصدمة والمفاجأة ثم كانت بقية الدرس عن "إلا إذا". وأثناء الحصة شعرنا بهواء ساخن يأتي من تحت مكتبه فنظرنا فإذا هي دفاية خاصة لتدفئة ساقيه. كالعادة ضحكنا وتندرنا "الرجل رجليه ملخلخين". بالطبع آنذاك لم أكن أتصور أن تدور الأيام ويأتي الوقت الذي احتاج فيه، وأنا في نصف عمره آنذاك، لدفاية تحت مكتبي.
#‏ليه_يا_بروكسل_مسبتناش_أبريا

الأحد، 17 يناير 2016

الصراع على بروكسل


عندما كنت أتعلم الفرنسية في بروكسل كنت أدفع 230 يورو للدورة الواحدة وأشتري الكتب على حسابي. والآن اتعلم الهولندية (الفلامنكية) وأدفع 30 يورو فقط للدورة والكتب معا. وتوجد مؤسسة فلامنكية اسمها (bon) تقدم ضمن أشياء أخرى دورات مجانية لتعلم القوانين البلجيكية بأكثر من عشر لغات منها العربية. وقد ظللت شهرا كاملا (أغسطس) أدرس القوانين البلجيكية مجاناً، ووزعوا علينا ترجمات عربية لهذه القوانين، ولم أدفع سنتا واحدا، بل كانوا يعطوننا في فترة الراحة مشروبات ساخنة مجانية!... وللعلم كانت هذه الدورة أهم ما درست في بلجيكا حتى الآن. هذا ما يفعله الفلامنك بينما لا يفعل الوالون (الفرانكفون) شيئا من هذا، بل يقولون علنا أنه أمر مكلف وأنهم فقراء مقارنة بالفلامنك! المهم أنت كأجنبي ترى بوضوح أن هناك صراعا لغويا وثقافيا ظاهرا للعيان في بلجيكا كلها، خاصة في مجال دمج الأجانب في (المجتمعات) البلجيكية. هذا الصراع اللغوي الثقافي - بين الفلامنك والوالون الفرانكفون - هو فيما يخص بروكسل صراع جغرافي أيضا. فبروكسل من الناحية الجغرافية أرض فلامنكية ولكنها تفرنست في غفلة من الفلامنكيين. وحينما بدأت الصحوة اللغوية الفلامنكية في سبعينيات القرن الماضي كان وقت الإنقاذ قد ولي. حاليا يحاول الفلامنكيون العودة وبقوة لبروكسل. يشترون كل ما هو متاح ويحولونه لمؤسسات لغوية وثقافية فلامنكية، ويقدمون الإغراءات المتعددة لإقناع الناس بتعلم الهولندية بتكاليف كما سبق شبه معدومة. مشكلة الفلمنكيين أنهم لا ينجحون، والنسبة اللغوية في بروكسل تبقى كما هي وتظهر أن استخدام الفرنسية في بروكسل بنسبة 90%. بل إن متكلمي العربية قد يكونوا أكثر من متكلمي الفلامنكية! حتى موظفو المؤسسات الثقافية الفلامنكية يقولون فيما بينهم أن لا أمل، وأن بروكسل فرنسية اللغة مئة بالمئة. المشكلة هنا هو البعد السياسي للقضية فماذا ينبغي العمل مع بروكسل؟ هذا هو جوهر الصراع على بروكسل.

السبت، 16 يناير 2016

زيارة محمود محمد شاكر!

د. عبدالسلام حيدر
(1)
كان هذا في سنة 1988. كنت قد انتهيت من الليسانس وبدأت السنة التمهيدية للماجستير وعزمت على أن يكون موضوع بحثي في هذه السنة عن الأستاذ شاكر. وعزمت على أن أقرأه أولا واكتب مسودة البحث ثم ألتقيه بأي طريقة. وبالفعل وافق الطاهر مكي على الموضوع. وبعد أن أنهيت المسودة الأولى قلت لنفسي هذا هو الوقت المناسب. وحصلت على تليفون الأستاذ شاكر واتصلت مرات لم أعد أذكر عددها ولكن دون رد. وكنت قد تخلفت عن الجيش سنة لأجل التمهيدي وكنت أعرف أنهم سيعطونني سنة زيادة عندما أذهب للجيش وهذا ما كان بالفعل. المهم ليس لدي وقت يسمح بالانتظار، وعندها قلت لأذهب دون موعد وليكن ما يكون. وبعد الغذاء ذهبت لمترو النزهة وسألت الركاب عن شارع حسين المرصفي، وصعدت سلم العمارة رقم 3 حتى يافطة مسكنه، وظللت واقفا أؤنب نفسي حتى خفت أن يراني أحد ويظنني لصاً. وبيد ترتعش وعين زائغة ضربت الجرس. ففتحت الباب امرأة كبيرة السن لها هيبة كبيرة فقلت لها "إنني من كلية دار العلوم وآسف أنني جئت من غير موعد، وأطمع في لقاء الأستاذ شاكر". فسألتني "يعني انت تبع مين؟" فقلت "أنا مش تبع حد أنا فقط أكتب دراسة عن الأستاذ شاكر واتصلت مرارا و.." فقالت "انتظر قليلا" ودخلت ثم عادت وسمحت بدخولي. كنت آنذاك أقول لنفسي "لن تفعل هذا مرة أخرى في حياتك وطظ في كل الرسائل والدراسات". وبالطبع عرفت الأستاذ شاكر مباشرة وكان قد انتهى من طعامه فمد يده يسلم عليّ ويسألني إن كنت قد تغديت. فهززت رأسي بنعم ثم تركني ليغسل يده وظللت واقفا أنظر من مكاني للكتب التي تشغل كل فراغات الشقة البادية لعيني، كأنك في مكتبة مؤسسة أو دولة، أرفف الكتب في سطور بين كل سطر وآخر مسافة لا تزيد عن متر واحد، والكتب من الأرض للسقف. شيء غريب ومهول فعلاً. حتى إذا عاد قال لي اجلس فجلست وبدأت استعيد توازني. وسألني عن اسمي ومن أين أنا. ثم وضع رجلا على الأخرى وأشعل سيجارة وسألني "ماذا تشرب شاي أم قهوة؟" فقلت "لا داعي أنا قادم ومعي قائمة بالأسئلة التي تحيرني ويكفيني إجابتها". فقال "يا أم فهر. ماذا ستفعلي؟ شاي. نعم. وأنا أريد قهوة". ثم نظر إليّ وقال "في أي فرقة؟" قلت "في تمهيدي ماجستير إن شاء الله". فقال "هنا لا يقال إن شاء الله. (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله). و"غدا" هنا مستقبل. أما "في التمهيدي" فحال". فقلت لنفسي يبدو أن الرجل ينتقم منك فلتتماسك قليلا. وقلت "جميل أن نهتدي بحضرتك كما اهتدينا بكتبك". فقال "إن كتبي لا تهدي فقط ولكنها تضل أيضاً، والأجدى لك وأنت في البداية أن تقرأ للجميع واستعن بفطرتك لتعرف الطيب من الخبيث". ثم نظر إليّ وقال "اوعى تكون منتمي لأي جماعة من النصابين وأولهم الإخوان". بالطبع كنت أعرف أنه يعاديهم فقلت "لا على الإطلاق. فهذا لا يناسبني". ثم قلت "أنا أعرف من كتب حضرتك أنك تعاديهم فهل هذا لسبب شخصي أم فكري أم ماذا؟" ولم يكن هذا بين أسئلتي ولكنه قال "إنهم مدعوون للنبوة. هذه نبوة مقنعة" قلت "هل تقرأ لهم؟ لمنافسك القديم سيد قطب أو أخيه محمد قطب؟" فقال "لا أعرف كتاباتهم ولا أقرأ أي شيء لهما لأنهما من الإخوان". قلت "وما هو الطريق الأمثل في نظركم؟" قال "أن تكون مسلما وحسب". فسكت ثم نظرت في أسئلتي واحترت بأيها أبدأ.
(2)
فقلت "دراستي بعنوان (منهج التذوق عند محمود محمد شاكر) وكنت أريد أن أسأل بداية عن منهجك هذا ما هو؟". فقال "هذا كلام طويل". قلت "توصيف حضرتك للمنهج بشطريه "المادة والتطبيق" جميل ومفهوم، ولكن المشكلة أن شطر التطبيق قد يستهلك العمر" كان يهز رأسه بالموافقة فقلت "فهل هناك من كتب عنه أو طبقه أو شرحه أقصد من تلاميذ حضرتك؟". فقال "كلامي هو ما أكتبه ولا يشرحه أحد". قلت "ولكن "القوس العذراء" شُرحت؟" فقال "نعم. محمد أبو موسى من أحسن أساتذة البلاغة عندنا، من أكثرهم فهما للبلاغة، وشرحه للقوس العذراء جيد.. القراءة تكون بالعين والمخ بداية ولكن لا بد وأن تكون شاملة! اقرأ كل شيء. اقرأ لغتك. تراث أجدادك. كل الشعر. من أول الجاهلي إلى الآن.. اقرأ كل هذا وستفهم المنهج وتعرف كيف تطبقه".
قلت "أعلم أن حضرتك كنت تشرح الشعر الجاهلي لتلاميذك". قال "كانت فترة وانتهت". قلت "ألا نجد هذه الشروح مطبوعة؟" قال "لم أطبع شيئا لأنني لم أكن أدونها. كنا نقرأ سويا ونرتجل الشرح.. بعضهم كان يكتب". قلت "وكيف كنتم تقرأون؟" قال "كما قلت. عليك أن تتعرف على تراث أجدادك وعلى أساليبهم الأدبية. كيف كانوا يكتبون في كل فن. كل ما كتبوه له جانب أدبي، ويمكن أن تقول أسلوب الفلسفة الأدبي. أسلوب الفقه الأدبي. أسلوب التاريخ الأدبي.. الخ".
ثم انتقلنا للقرآن فقلت "مقدمة حضرتك لترجمة كتاب (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي توحي بأن حضرتك ستقدم تفسيرا جديدا للإعجاز". فقال "ليس تفسيرا جديدا ولكني فقط أريد أن أوضح بعض ما وقع فيه القدماء أو تغافلوه. القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثله. لماذا؟ هذا ما أردت توضيحه. وأنا حاليا أكتب كتابا يسمى "مداخل الإعجاز" كنت قد طبعت بعضه ثم توقفت.. أما مالك بن نبي فأخ طيب وله حسنات كثيرة وبعض السقطات. الرجل بلده كان مستعمر ولغته وثقافته فرنسية. وقد درس في فرنسا وأخذ عن المستشرقين".
ثم انتقلت لكتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" وما كتب فيه عن منهج التذوق وقلت أنه "من الجيد أنه طبع في دار الهلال، إذ لو طبع في أي دار نشر خاصة لارتفع ثمنه جدا". فقال "كلهم نصابين". قلت "ولكن لو لم تطبع هذه الطبعة الرخيصة ما كنا نجدها إلا في صدر مجلد "المتنبي" وهو غال جدا". قال "نعم غالي ولكن من أين نأكل عيش؟! مصطفى نبيل اتصل بي وطلب ذلك ووافقت وأنا غير مقتنع وما زلت". قلت "من الواضح أن الرسالة تقف عند مرحلة معينة. أليس هناك تكملة لها؟ لمعرفة رؤيتك للوضع الآن؟". قال "أنا تحدثت عن البدايات. ثم انني تحدثت في "أباطيل وأسمار" عن بعض هذه الأمور، وكذلك في مقالي "فساد حياتنا الثقافية". فقلت "في هذا الكتاب رأي لحضرتك يستغربه كثيرون حول بداية ما يسمى بالنهضة الحديثة". فقال "نعم نهضتنا الحديثة بدأت في عصر الجبرتي الكبير، وكان عالما ويأتيه الأوربيون ليتعلموا على يديه ثم يعودوا لبلادهم". قلت ولكن البعض يرى أن حملة نابليون كانت بمثابة الصدمة التي استيقظنا بعدها". فسخر من هذا الكلام وقال "بل لقد جاءت الحملة لقتل ووئد النهضة. ثم كيف نعتبر احتلالنا بداية لنهضة. إنها جاءت لقتل النهضة الوليدة". قلت "معنى هذا أنه كان يوجد جواسيس؟" قال "لا. ولكن مستشرقين رأوا بشائر النهضة الوليدة ومن ثم أسرعت الحملة لقتلها. ثم جاءوا بتاجر الدخان محمد علي ووضعوه على كرسي الحكم حيث كان ينفذ رغباتهم. ومن ثم بدأت النهضة الثانية. نهضة فرنسية. لم تكن نهضتنا. وكان من روادها رفاعة الطهطاوي ومن سار سيرته. ثم بدأ التخلف. أمة سبقت وأمة تخلفت".
سكت قليلا ثم عدت لأسئلتي وقلت "في بداية كتاب (أباطيل وأسمار) بعض الأشياء الغامضة عليّ، مثلا تقول "ثم كان ما كان.." وتسكت فلا أفهم. قال "ثم كان أن قبض عبدالناصر عليّ. فأنا ضده، وقلت كلاما عنه فقبض عليّ". قلت ولم يكن بين أسئلتي "إذن أنت تشترك مع الإخوان في عدائه". فقال "أنا ضد الاثنين. أنا اختلفت مع عبدالناصر في أشياء كثيرة والإخوان اختلفوا معه على الحكم. لا أدري لما فعلوا هذا. هل لأنفسهم أم لقوى خارجية؟ لا أعلم". قلت "هل أدى كل هذا لابتعادك عن المشاركة في الحياة الثقافية؟" قال "أنا لا أرى حياة ثقافية حتى أكون مبتعدا عنها".
وأتذكر أيضاً أننا تكلمنا عن فن الرواية وهل له أصول عربية. فقال "عندنا قصص قديم، لكن الرواية الفنية شيء آخر ظهر حديثاً. قد يكون الغرب تأثر في مرحلة ما بقصصنا لكن لم ينقل عنا حرفيا. لا توجد أمة تنقل آداب أمة أخرى وتحتذيها إلا في فترات الضعف والضياع". 
(3)
عندما كنا نتحدث دق جرس الباب فقام الأستاذ شاكر وفتح الباب بنفسه فدخل رجل ضخم أبيض الوجه يرتدي بدلة كاملة وله سكسوكة صغيرة. فأشار الأستاذ شاكر إليّ وقال "طالب من دار العلوم". وأشار إلى الوافد الجديد وقال "الأستاذ المدني". ثم وجه كلامه للأستاذ المدني وقال "فهر مريض ونريد له دكتور. تعب بسيط. ماذا تشرب؟" فجاءت الحاجة أم فهر فسلم عليها وطلب شاي سكر زيادة. ثم تحول إليه الأستاذ شاكر وقال "اتصل بي (فلان) وقال أن العراقيين طلبوا 150 نسخة من "المتنبي" فلم يجدوا إلا 118 نسخة". ففهمت أن الرجل هو صاحب مطبعة المدني وخفت ألا انتهي من أسئلتي وكان لم يبق إلا ثلثها.
ودق جرس الباب مرة أخرى فنظر إليّ الأستاذ شاكر، وانتظرت أن يقول شيئا فأشار بيده للباب وقال لي آمراً "افتح الباب!". فابتسمت وقمت وأنا أقول لنفسي "دلع علماء صحيح. والله لو ابنه وهو في سني بالضبط لما قال له هذا". وعندما فتحت وجدت أمامي فتاة ترتدي جيبة طويلة وبلوزة واسعة وشعرها مسدل على كتفيها، كانت جميلة جدا وغاضبة جدا. دخلت مباشرة ولم تعرني أي انتباه كأنني لوح خشب مفتخر بجانب الباب. وسمعت الأستاذ شاكر يسألها "ماذا فعلتي يا زلفى؟". فمضت في طريقها وهي تغمغم بكلمة "بعدين". طبعا لا تريد الحديث في وجودنا. وعندها حق. وظني أن سكن الأستاذ شاكر كان يبدو مثل كعبة مصغرة يأتيها الحجيج من كافة الأرجاء فمن الطبيعي ألا تجد أسرته حريتها الكاملة رغم أنها في بيتها. طبعاً المفروض أشعر بالكسوف وأنا أقول هذا.
وعندما جلست كان الأستاذ المدني يشرب الشاي ويقول "ولكن ما فعله (فلان) ليس طيباً. لم يكن يصح هذا". فقال الأستاذ شاكر "الحمد لله أن عرفت لكي أكشفك. وأكشف النصب بتاعكم". فقال المدني "إننا لا ننصب. ثم والله حضرتك حاجة خاصة والله". فقال الأستاذ شاكر "لماذا تحلف؟! ثم أنا لا أريد أن أكون حاجة خاصة. أريد أن تكون دقيقاً في عملك. عندما لا يوجد إلا مائتي نسخة تبدأ في الطبع والتجليد. فقد يأتي من يطلب ثلاثمائة". فأقسم المدني مرة أخرى "والله كل شيء جاهز. الجلد والخيط. أسبوع واحد وسوف تكون الكمية متوفرة".
حاولت العودة لأسئلتي لكن الموقف كان قد باخ، ورغم ذلك قلت "هل يمكنني أن أسأل سؤالا أخيرا؟" نظر إليّ فقلت "إذا كان ينبغي قراءة تراث الأجداد من أول الجاهلي إلى الآن، فهل تقصد أيضا هذا الترتيب؟" هز رأسه بأن نعم فقلت "بعض الكتاب ينصحون بقراءة المعاصرين أولاً، لأن أسلوبهم أسهل ثم ينتقلون للتراث". فقال متهكما "كي يضلوا أولاً ثم يقرأون التراث بضلالتهم". فقلت "لقد قرأت هذا عند زكي مبارك في "الحديث ذو شجون". فنظر إلى الأستاذ المدني وقال "ها" وابتسم ابتسامة غريبة فهمت منها استخفافه بزكي مبارك!
وبعد الإجابة الأخيرة شعرت أنه ملّ وكأنه يقول "يكفيك هذا". ولكنه نظر إليّ وقال "ألن تخبرني إلى أي جماعة تنتمي؟". فاقتديت بالأستاذ المدني وقلت "والله لا انتمي لأي جماعة. أريد أن أنتمي فقط للعلم". فنظر للأستاذ المدني وقال "نريد أن نصلي العصر؟". فعلمت أنها النهاية فقلت "أستأذن أو أصلي معكما؟" فقال الأستاذ شاكر "أوتصلي؟!" ابتسمت وقلت "نعم". فقال "وهل أنت متوضأ؟". فقمت فتوضأت في الحمام وهو المكان الوحيد الخالي من الكتب. وعندما عدت كان يتحدث مع الأستاذ المدني عن غطاء الرأس في الصلاة. وعندما همّ الأستاذ شاكر بالذهاب ليتوضأ قلت له "هل يمكن أن ألقي نظرة على المكتبة؟" فنظر إليّ برهة ثم ابتسم وقال "اوعى تسرق حاجة؟". كانت الأرفف مزدحمة بالكتب التي فاضت على المكاتب والسجاجيد. ورأيت كتبا تراثية لم أسمع بها من قبل، ورأيت على المكتب أغلب الإصدارات الشهرية الحديثة في مصر وخارجها. ورأيت أيضاً صوره مع بعض الأعلام منها صورته ويحيى حقي. وصلى الأستاذ شاكر ركعتي السنة وكذلك الأستاذ المدني الذي أقام الصلاة وأمنا الأستاذ شاكر. وبعد الصلاة استأذنت فسلم عليّ الأستاذ شاكر وهز يدي بقوة وأوصلني للباب ثم سألني "كيف عرفت عنواني؟" قلت "سيدتك تكتبه في نهاية مقدمات كتبك، وقد بحثت ووصلت وكنت أظنك تسكن "فيلا" ضخمة". فقال بأسف "فيلا؟!". ثم قال "أرجو أن تزورني مرة أخرى". قلت "هذا إذن من حضرتك؟" قال "نعم. بس يبقى اتصل أولاً بالتليفون فقد لا أكون بالبيت" وأعطاني رقم التليفون. فزاد وجع ضميري عندما اكتشفت أنه غير ما كنت أطلبه. وزاد كرمه بأن سألني إن كان يطلب لي الأسانسير فقلت "النزول أسهل" ثم نظرت إليه نظرة أخيرة، وكان ينظر لشيء في حلق الباب. ولم أره بعدها أبداً.

ملحوظة:
كنت اسجل إجاباته التي تخص بحثي في مسودة البحث مباشرة، وهذه يمكن أن تجدونها في البحث نفسه حين ينشر ولكن لا أدري متى!. أما ما زاد على ذلك فكنت أسجله في ورق مستقل، وقد ملأت أربع ورقات (فولسكاب) وهي أمامي الآن وأنا أكتب، وكل ما نطق به فيها هو كلامه حرفياً.. وبعد انتهاء اللقاء سجلت على هوامش هذه الأوراق ملاحظاتي الحياتية أيضاً.
 
 

الثلاثاء، 12 يناير 2016

قادم من حيفا

أذكر عندما جاء الدكتور حجازي لإلقاء محاضرة في كليتي الألمانية لم تلعب الكيمياء فيما بيننا. بالطبع أعرف أنه علّامة كبير في تخصصه وكتبت عن هذا مرة، لكن هكذا هي الحياة، ربما لأن سؤالي (عن الفرق بين التعريب الذي يدعو هو إليه والأسلمة التي تدعو إليها الجماعات) أزعجه، وربما لأنني أيضاً أنفر من الزهو ولا استسيغه حتى لو كان صاحبه على حق مثل الدكتور حجازي وإنجازاته بالفعل ضخمة في الترجمة والتأليف والإدارة. المهم بعد المحاضرة ذهبنا لمطعم فندق شهير بالقرب من الجامعة وج...لست بعيدا عنه وقلت لنفسي "جميل هكذا. رغم أنه حكاء عظيم وجعبته مليئة بالحكايات". وتحدثت قليلا مع السيدة التي عن يميني. ثم نظرت للرجل الأشقر عن يساري ولا أحد يتحدث معه واستغربت لأن الجميع يتجنبه. وعرفت منه أنه مستشرق وأنه حصل مؤخرا على درجة الأستاذية في اللغة العربية. ولكن كانت لكنته الألمانية غريبة وكنت اسمعها للمرة الأولى. وسألني عن بلدي فقلت "مصر" وسألته من أين هو، فتمهل للحظة ثم قال "أنا من حيفا". طبعا أنا قلبي وقف، لأن هذه كما أعرف عادة الإسرائليين عندما يتحدثون مع أي عربي اللغة يلتقونه في الغرب للمرة الأولى، فهم لا يذكرون لك على الإطلاق اسم إسرائيل، ولكن ينتسبون للمدن التي يساهمون في احتلالها، وسألني هو سؤال آخر لكني كنت في جيش من الذهول فلم أفهم ولم أُجبه وبدأت أشعر بسخونة في أذني! وفهم هو سريعاً وهم للحق أذكياء. ولو كنت أنت جالسا معنا آنذاك لفهمت معنى النفور الحق من لغة جسدينا. وبقي هو في مكانه منزوياً خائفا يتوجس، بينما انتهزت أنا أول فرصة لفراغ كرسي بجانب الدكتور حجازي فأسرعت إليه وأنا أقول لنفسي "هذا أرحم عُشرميت مرة". فوجدته يشكو من أنه ألف كتبا لماليزيا فسرقتها سلطنة بروناي وطبعتها دون أن تستأذنه فقلت له "يكفيك فخرا يا دكتور أن أغنى دولة في العالم قد سرقتك". فابتسم وقال "دي أحسن جاجة سمعتها عن هذا الموضوع". ثم قال أن هذا هو حاله دائما مع الملوك والسلاطين! وبدأ يحكي أنه قابل مرة الأسرة الملكية الإسبانية في إحدى زياراته لإسبانيا، فلم يُسمح له أن يتحدث مع الملكة صوفيا لا بالعربية ولا بالألمانية لأن ملك إسبانيا لا يعرف اللغتين، وأنه اضطر أن يختار من بين اللغات التي يعرفها لغة يعرفها ملك إسبانيا ليتحدث بها معهما.

أنا أبشالوم يا أبي


أنا لا أحب الترجمة الفورية، ومنذ البداية بعدت عنها بعدي عن حيوان أجرب. ليست مجالي ولم أدرسها ولا أحب أن أجلس كآلة بين شخصين. أنا أصلا رجل بتاع لغة عربية صادف أنه كتب الدكتوراة بالألمانية في ألمانيا. ولكني رغم ذلك أحب الترجمة كتابة لأنها تحتاج للتأنى والمراجعة ووضع هوامش، وأنا صراحة رجل أحب البطء وأنوي الكتابة في "مديح البطء".. ورغم كل ذلك اضطررت للترجمة الفورية مرتين أو ثلاثة وكان ذلك إبان معرض الكتاب سنة 2004 على ما أظن، وقد وكرهت الأمر ومن ألح به وندمت على الموافقة. وكانت أول ترجمة بين الأهرام والفيلسوف الألماني ينس زونتجن Soentgen وقد قبلت الترجمة لأنني مترجم الرجل للعربية، كتاب "فكر بنفسك". وكانت الترجمة لا بأس بها.
أما الترجمة الثانية فكانت في ندوة عن النشر بين الألمانية والعربية، وقد ذهبت للفرجة زي خلق الله لكن المترجمة جالها ظرف طارئ ومسئولة جوتة نظرت حولها فرأتني، وظلت تلح لدقائق وكنت أنا أيضاً انظر حولي باحثا عن مفر. ثم اضطررت ووافقت. وعندما جلست على المنصة بين الناشرين الألمانيين قلت لهما "كما رأيتما أنا لست مترجما فوريا ولا أريد فأرجوكما عدم الإزعاج واقبلا بما يتيسر لي من الترجمة". وبالفعل كنت اترجم الخلاصة لهما ورضيا بالأمر. وعندما بدأت الأسئلة إحدى النساء وجهت سؤالها للناشرين العرب بالعربية وعندما سمعت السؤال سكت، فنظرت إليّ وقالت "ممكن تترجمه لهما". والله كان نفسي ابتكر شخرة لم تسمع بمثلها الركبان ولكني لا أعرف، فتماسكت حين زعزعني الدهر وقلت لها "حاضر يا فندم. انت تؤمري" وملت على الألمانيين المسكينين وقلت لهما "أنها تسأل عن إمكانية ترجمة بعض الكتب للألمانية" وسكت فلم تنهزم المرأة، بل قالت لي "بالسرعة دي". فلم أرد فقذفتني بنظرة حارقة ماحقة، ولكني شعرت بسلام داخلي لم أشعر بمثله منذ فترة فابتسمت وسكت.
أما المرة الأخيرة وهي الأعجب فكانت بين أخبار اليوم والروائي الألماني اوفه تيم Uwe Timm (الصورة)، وهو لمن لا يعرف أحد أهم كتاب الألمانية المعاصرين، وكانت روايته المهمة "أخي كمثال" قد صدرت آنذاك. وكنت أنوى الحديث معه حول السماح لي بترجمتها. المهم ذهبت مع الصحفية للرجل في فندق ماريوت. وقبل الحوار تعرفنا وعرف أنها الصحفية وأنني المترجم. وعندما سمع اسمي "عبدالسلام" توقف برهة ونظر إليّ وقال "هذا هو المقابل العربي لاسم "أبشالوم" العبري. هل تعرف قصة أبشالوم التوراتي؟". قلت "والله نحن جئنا لنسأل حضرتك. وأنا دوري الترجمة. لكن منكم نستفيد". ولمن لا يعرف الكاتب الألماني عادة يكون مشبعا بالتوراة والإنجيل ولو عصرته هيخر مزامير وأسفار. زي الروائيين عندنا بالضبط لو عصرتهم هينزلوا آيات قرآنية وأحاديث نبوية وقدسية! المهم الرجل الحكاء صمم يحكي لي حكاية أبشالوم التوراتي وخيانته التي ضُربت بها الأمثال. ففهمت كأنه يقول لي بطريقة غير مباشرة "أيها المترجم أيها الخائن" وظننت أن أحدهم حكى له ما حدث في ندوة النشر. المهم شكرته على التوضيح، وألغيت خطط الترجمة، وبعد الأسئلة وقع الطلاق البائن.