الثلاثاء، 12 يناير 2016

أنا أبشالوم يا أبي


أنا لا أحب الترجمة الفورية، ومنذ البداية بعدت عنها بعدي عن حيوان أجرب. ليست مجالي ولم أدرسها ولا أحب أن أجلس كآلة بين شخصين. أنا أصلا رجل بتاع لغة عربية صادف أنه كتب الدكتوراة بالألمانية في ألمانيا. ولكني رغم ذلك أحب الترجمة كتابة لأنها تحتاج للتأنى والمراجعة ووضع هوامش، وأنا صراحة رجل أحب البطء وأنوي الكتابة في "مديح البطء".. ورغم كل ذلك اضطررت للترجمة الفورية مرتين أو ثلاثة وكان ذلك إبان معرض الكتاب سنة 2004 على ما أظن، وقد وكرهت الأمر ومن ألح به وندمت على الموافقة. وكانت أول ترجمة بين الأهرام والفيلسوف الألماني ينس زونتجن Soentgen وقد قبلت الترجمة لأنني مترجم الرجل للعربية، كتاب "فكر بنفسك". وكانت الترجمة لا بأس بها.
أما الترجمة الثانية فكانت في ندوة عن النشر بين الألمانية والعربية، وقد ذهبت للفرجة زي خلق الله لكن المترجمة جالها ظرف طارئ ومسئولة جوتة نظرت حولها فرأتني، وظلت تلح لدقائق وكنت أنا أيضاً انظر حولي باحثا عن مفر. ثم اضطررت ووافقت. وعندما جلست على المنصة بين الناشرين الألمانيين قلت لهما "كما رأيتما أنا لست مترجما فوريا ولا أريد فأرجوكما عدم الإزعاج واقبلا بما يتيسر لي من الترجمة". وبالفعل كنت اترجم الخلاصة لهما ورضيا بالأمر. وعندما بدأت الأسئلة إحدى النساء وجهت سؤالها للناشرين العرب بالعربية وعندما سمعت السؤال سكت، فنظرت إليّ وقالت "ممكن تترجمه لهما". والله كان نفسي ابتكر شخرة لم تسمع بمثلها الركبان ولكني لا أعرف، فتماسكت حين زعزعني الدهر وقلت لها "حاضر يا فندم. انت تؤمري" وملت على الألمانيين المسكينين وقلت لهما "أنها تسأل عن إمكانية ترجمة بعض الكتب للألمانية" وسكت فلم تنهزم المرأة، بل قالت لي "بالسرعة دي". فلم أرد فقذفتني بنظرة حارقة ماحقة، ولكني شعرت بسلام داخلي لم أشعر بمثله منذ فترة فابتسمت وسكت.
أما المرة الأخيرة وهي الأعجب فكانت بين أخبار اليوم والروائي الألماني اوفه تيم Uwe Timm (الصورة)، وهو لمن لا يعرف أحد أهم كتاب الألمانية المعاصرين، وكانت روايته المهمة "أخي كمثال" قد صدرت آنذاك. وكنت أنوى الحديث معه حول السماح لي بترجمتها. المهم ذهبت مع الصحفية للرجل في فندق ماريوت. وقبل الحوار تعرفنا وعرف أنها الصحفية وأنني المترجم. وعندما سمع اسمي "عبدالسلام" توقف برهة ونظر إليّ وقال "هذا هو المقابل العربي لاسم "أبشالوم" العبري. هل تعرف قصة أبشالوم التوراتي؟". قلت "والله نحن جئنا لنسأل حضرتك. وأنا دوري الترجمة. لكن منكم نستفيد". ولمن لا يعرف الكاتب الألماني عادة يكون مشبعا بالتوراة والإنجيل ولو عصرته هيخر مزامير وأسفار. زي الروائيين عندنا بالضبط لو عصرتهم هينزلوا آيات قرآنية وأحاديث نبوية وقدسية! المهم الرجل الحكاء صمم يحكي لي حكاية أبشالوم التوراتي وخيانته التي ضُربت بها الأمثال. ففهمت كأنه يقول لي بطريقة غير مباشرة "أيها المترجم أيها الخائن" وظننت أن أحدهم حكى له ما حدث في ندوة النشر. المهم شكرته على التوضيح، وألغيت خطط الترجمة، وبعد الأسئلة وقع الطلاق البائن.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق