الثلاثاء، 19 يناير 2016

الدفاية عند قدميّ

درجة الحرارة في بروكسل الليلة 15 درجة تحت الصفر. ويوجد احتمال بأن الكهرباء لن تتحمل الضغوط عليها. فأنا عملت زي الناس اللي بتخزن البضائع وقت الأزمات وفتحت دفايات السكن كلها حتى أخزن شوية دفا، ومع ذلك لا أشعر بأي دفء لشدة البرودة في الخارج. وتذكرت أن لدي في البدروم دفاية اشتريتها للطوارئ فجئت بها ووضعتها بالقرب من مكتبي. وعندما وصل الهواء الساخن إلى قدميّ شعرت بأسى ونوستالجيا قوية وتذكرت أستاذي الجليل والعتيق جداً د. على الجندي رحمة الله عليه، وكان أحد الشخصيا...ت الأسطورية في دار العلوم. وآخر عهدي به عندما كان يدرس لنا في التمهيدي مناهج البحث في الشعر الجاهلي الذي كان قد درّسه لنا في السنة الأولى من الكلية من خلال كتابه الشهير "تاريخ الأدب الجاهلي" (1966) وكنا ندرس الطبعة الضخمة التي أصدرتها دار المعارف سنة 1985. كالعادة لم نعرف قيمة الرجل إلا بعد فوات الأوان. لكن ما شغلنا آنذاك أن الرجل كان "كراكتر" مغرى جدا بالنسبة لنا كطلاب صغار. فالرجل كان أحد بقايا دار العلوم القديمة حين كانت في مبناها القديم في حي المبتديان (مكانه الآن حديقة دار العلوم). وحين نقلت الكلية سنة 1980 إلى حرم جامعة القاهرة انتقل هو معها، وظل بها حتى خرج على المعاش ثم عاد إليها أو استمر بها كأستاذ متفرغ. وكانت له تقاليد راسخة في المجئ والإنصراف. فكان يصل الكلية بسيارة "كاديلاك" موديل قديم جدا ربما يعود للخمسينيات. فتقف السيارة أمام سلم الكلية بالضبط، وينزل هو منها بصعوبة ولكن دون مساعدة. ويقف عند أول درجات سلم الكلية فيتوقف إيقاع الكون للحظات يهش فيها كل من هو أمامه فنختفي جميعا، حتى حرس الكلية لا يبقى منهم إلا حارس أسمر وقديم جدا. ويصعد هو السلم بمفرده لا يريد مساعدة أيضاً، وإذا ما وصل إلى آخر درجات السلم يعطيه الحارس العجوز التحية الواجبة. والغريب أنه يرد عليه تحيته، وربما كان هو الوحيد الذي يرد عليه في الكلية كلها. وكنا ننتظر محاضراته في الشعر الجاهلي بشوق وترقب فإذا غاب، ونادرا ما كان يفعل، تجدنا نتندر ونقول "الدكتور علي ركب الناقة وشرخ". وكانت محاضراته مقسمة بالقسط بين موضوعها وبين الضجر من الحياة والتبكيت الراقي لكل الأجيال التي مرت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين حتى جيلنا، وهو في رأيه بالطبع أعظمها انحطاطا. وبعد أن اجتزنا المراحل كلها ووصلنا للتمهيدي وجدناه ينتظرنا، ضمن المقرر. وعندما دخلنا مكتبه للمرة الأولى، أظن في ديسمبر سنة 1988، وجدناه قد بلغ من العمر عتيا ولكن عقله كان يقظاً كما عهدناه دائماً. كنا تقريبا عشرين طالباً فنظر إلينا وقال "إن شاء الله كلكم راسبون دون مقاطعة". ضحكنا للصدمة والمفاجأة ثم كانت بقية الدرس عن "إلا إذا". وأثناء الحصة شعرنا بهواء ساخن يأتي من تحت مكتبه فنظرنا فإذا هي دفاية خاصة لتدفئة ساقيه. كالعادة ضحكنا وتندرنا "الرجل رجليه ملخلخين". بالطبع آنذاك لم أكن أتصور أن تدور الأيام ويأتي الوقت الذي احتاج فيه، وأنا في نصف عمره آنذاك، لدفاية تحت مكتبي.
#‏ليه_يا_بروكسل_مسبتناش_أبريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق