في المرحلة الثانوية تمنيت لو دخلت القسم الأدبي ولكن
بسبب هري الأقارب والمعارف وزنهم صمم أبي على القسم العلمي ولم يكن يفهم من فرق
بينهما إلا أن القسم العلمي شغله ومستقبله أحسن من الأدبي. المهم أُدخلت القسم
العلمي غصباً ولم تنفع حججي بأنني أكره الرياضيات وبدخولي القسم الأدبي سأتخلص
منها للأبد. وبعد سنتين حصلت على الثانوية بمجموع 73% تقريباً بعد أن نجحت في
الرياضيات بقدر الله وقدرته! المهم بعد النتيجة بدأ الهري والزن مرة أخرى حول
الكلية التي يجب عليّ الالتحاق بها، ولكنني هذه المرة صممت على ما أريد: (أداب
القاهرة ثم قسم اللغة العربية، قسم طه حسين لا غيره!). وكنت أنذاك قد اكتشفت
المجلات الثقافية المصرية والخليجية (وهي مصرية أيضاً) مثل العربي والدوحة
وغيرهما. وبغرور الشباب كنت أقول لنفسي إذا كان طه حسين وصل لهذه المكانة في تاريخ
الأمة المصرية وهو أعمى فيمكنني أن أصبح مثله وأنا مفتح ولله الحمد! وعندما كبرت
وعقلت قليلا أصبح هدفي في الحياة - وما زال - هو اعتزال الأمة المصرية جمعاء!
المهم عندما ذهبت لتقديم أوراقي في التنسيق اكتشفت أن قسم اللغة العربية بآداب
القاهرة لا يقبل طلاب القسم العلمي. وكانت صدمة ما زلت أستشعر وقعها حتى الآن.
وعندما تأكدت أخذت الاستمارات وعدت للبيت حزيناً، ولكن جاءتني فكرة أن أكتب آداب
عين شمس وكانت تقبل طلاب القسم العلمي ثم أحول منها بعد سنة أو سنتين لآداب
القاهرة. وملأت الاستمارات بعد هذه الرغبة الأولى بما تيسر ثم ذهبت للتنسيق وقدمت
الأوراق وأنا سعيد بالفكرة. وعندما ظهرت نتيجة التنسيق وجدت نفسي في آداب
الإسكندرية. آنذاك كان فيلم يوسف شاهين "إسكندرية ليه؟" في السينما.
فذهبت للتنسيق في المدينة الجامعية وسألت "إسكندرية ليه؟"
"إسكندرية ليه؟" وتعاركت مع الموظفين فخرج رئيس المكتب وبعد أن عرف
مشكلتي قال لي ببساطة "حسب التوزيع الجغرافي كان أمامك آداب القاهرة لكنك
كتبت آداب عين شمس رغم أنك تعرف أن هذا خطأ وعقابا لك بعثنا بك إلى آداب
الاسكندرية، ولكن أمامك فرصة للتحويل"!. وتركني مذهولا وانصرف وأنا أقول له -
ولمن حولي - "ضيعتوني. آداب القاهرة لن تقبلني لأن علمي وأداب عين شمس بسبب
التوزيع الجغرافي وليس لدي ما يكفي لأعيش في الإسكندرية". طيب البعض خاطري
وقال إنشاء الله ربنا هيحلها من عنده. اشتريت جريدة الأهرام وعدت للبيت وأنا أفكر
في التحويل لكلية الحقوق أو كلية التربية. وعندما فتحت الجريدة وجدت حوارا مع
دكتور اسمه عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام) من كلية تسمى دار العلوم. كان قد حصل
على الدكتوراة من إسبانيا وعاد للتدريس في هذه الكلية التي كنت أسمع عنها للمرة
الأولى. وقد تحدث في الحوار عن سبب التحاقه بهذه الكلية وقال أنه عندما انتهى من
الثانوية الأزهرية ذهب للأستاذ عباس محمود العقاد شخصيا ليطلب نصيحته فنصحه العقاد
بدار العلوم وقال له "عليك بدار العلوم يا مولانا". في اليوم التالي
ذهبت لأرى هذه الكلية ومناهجها وأقابل هذا الدكتور فانتظرته أمام أحدى القاعات حتى
خرج فسألته إن كان قال هذا الذي في الجريدة. وفي البداية تعجب جدا لأنني تأثرت
بالحوار وجئت خصيصا لأستزيده! فقال لي "يااه دا انت على نياتك ومحتاج قعدة
طويلة!" وأصطحبني إلى مكتبه المملوء بالطلبة والطالبات، وكان رحمه الله
محبوبا جدا من طلبته. ولما حكيت له الموضوع بالتفصيل نصحني - مثل العقاد - بأن
أحول إلى دار العلوم وأن آتي إليه بعد ذلك. وبعدها مباشرة ذهبت لآداب السكندرية
لأول وآخر مرة وقدمت طلب التحويل وانتظمت في دار العلوم رغم أن التحويل لم يتم إلا
قبيل منتصف العام.
آه. الآن وقد عرف أصدقائي في قسم اللغة العربية بآداب
القاهرة لماذا وأنا درعمي أحبهم وأميل إليهم، فإني أقول لهم مؤكداً: نعم إنها إحدى
عقدي القديمة التي أبوح بها هنا للمرة الأولى!
#الله_يرحمك_يادكتور_عبداللطيف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق