في
يونيه 1999 زارنا الطيب صالح في جامعة بامبرج بعد أن زار عدة مدن ألمانية مثل
برلين وليبزج ودرسدن وبامبرج وماربورج بدعوة من دار الكتاب الألماني فى لايبزج. وكان
الهدف من الزيارة الحديث عن تجربته الإبداعية قراءة أجزاء من روايته "موسم
الهجرة للشمال" والنقاش مع الطلبة والحضور.
وقد سعدت آنذاك بأن أكلف بمرافقته
لتعريفه بالمدينة وتسهيل الأمور عليه فيها. وكان ينزل في فندق بالقرب من الجامعة
يسمى "فيلد روزا" أي (الوردة البرية). وفي اليوم الأول أراد التعرف على
المدينة القديمة لأنها بقيت على حالها منذ العصور الوسطى (والصورة هنا أثناء
التمشية وكما ترى في يده كتاب سياحي عن بامبرج القديمة). وقال لي آنذاك أنه مفتون
في هذه الفترة من حياته بتاريخ العصور الوسطى الأوربية وفنونها خاصة موسيقى
الإنشاد الجريجوري اللاتيني، وسألني أين يمكن أن يجد محلا لبيع اسطواناتها
فاصطحبته إلى أحد محلات الموسيقى فاشترى واحدة. ثم عدنا ليستريح قليلا قبل الندوة.
وللحقيقة كان مبدعا في الألقاء قدر إبداعه في الكتابة.
وبعد الندوة ذهبنا لأحد المطاعم الفخمة، وجلسنا في الداخل بجوار أحدى النوافذ، وما زلت أذكر المنظر الذي كنت أراه من النافذة ليلا. وكان هو بالطبع مركز الحديث، ولم أحاول مزاحمته أو ازعاجه في شيء. فقط كنت أعرف أنه أحد العالمين بالمتنبي ومن رواة شعره، فدخلت معه - على سبيل المداعبة - منافسة في إلقاء ما نحفظ من شعر المتنبي وبالطبع هزمني أمام الجميع. وقد تعجبت الأستاذة فيلاند من حفظنا لشعر المتنبي وسألت الطلبة الألمان إن كان أحدهم يحفظ شيئا لجوتة أو غيره من الشعراء الألمان فلم يجبها أحد. وكان الطيب صالح يتجاوب معنا بحب ويوزع اهتمامه على الجميع، وأذكر أنه سأل أصغر الطلبة الألمان، وكان شديد بياض البشرة، شديد الحياء وأي إحراج يظهر مباشرة على وجهه، سأله لماذا يتعلم العربية؟ وكأنه يقصد أنه ما زال صغيرا ويمكنه أن يبحث عن تخصص آخر. فقال الولد أنه شبَّ مع أسرته في إسبانيا، وأنه كان مبهورا بجمال المعمار والموزاييك هناك، ولم يكن يعرف لماذا تختلف إسبانيا عن بقية أوربا؟ وعندما كان في السادسة عشرة من عمره، أي قبل سنتين فقط، ذهب مع أمه إلى فاس في المغرب وهناك فقط عرف إجابة سؤاله عن سر تميز إسبانيا، وفرح أنه وجد الإجابة بنفسه وقرر أن يعرف هذه الحضارة ويدرس لغتها". صراحة بعد هذه الإجابة انكسفت أن أزعجه فيما بعد بأي طريقه.
وفي نهاية الليلة أضحكنا الطيب صالح وهو يحاول ترجمة اسم المستشرقة الألمانية روتراود فيلاند إلى العربية. وأخذ يقلب اسمها الأول في ذهنه ثم زعم أنه يقابل في العربية اسم (رضوى) لقرب الجرس أما المعنى كما قال فلا داعي له لأن الاسم العربي يعجبه وهذا يكفي. وفي هذه الليلة طلبت منه حوارا للنشر أسأله فيه عما أحب ويتكلم هو كما يحب دون أسئلة. وتواعدنا صباحا قبل أن يغادر إلى برلين.
وعند انتهاء الحوار قلت لنفسي أنه حوار مهم بالفعل ولكن لم أدر ماذا أفعل به آنذاك. وكنت أكره الصحافة - عن تجربة - ولذا عزمت على ترك الحوار في الدرج واستخدامه فيما بعد في أي دراسة أنشرها عنه. وبعد عدة أيام اتصل بي من برلين طبيب سوداني اسمه (حامد فضل الله) وقال لي أنه سأل الطيب صالح حوارا لمجلة سودانية فأشار عليه أن يتصل بي ليأخذ نسخة من حواري معه لأنه أفضل حوار عمله! رغم دهشتي أرسلت له - دون مبالاة - نسخة من الحوار وطالبته إذا نشره أن يكون باسمي فوعدني، ولكني لا أدري هل فعل أم لا؟! وقد اكتفيت آنذاك بإجابات الطيب صالح وحذفت أسئلتي التي لم أعد أذكرها، مما جعل الأمر يبدو وكأن الحوار مقالة ذاتية للطيب صالح، خاصة وأنني سجلت كلماته كما نطق بها.
وبعد الحوار جاءت المستشرقة فيلاند لتشاركه الغذاء، وكانت قد دعتني أيضاً. وبعد الغذاء خرجا وأنا معهما نتمشى. وتحدثنا طويلا. نميمة ثقافية مما تشتاقه الأنفس وتلتذ به. وعندما وصلنا للأحراش خارج المدينة وهممنا بالعودة فوجئت بأن الطيب صالح يسأل الأستاذة فيلاند إن كان لديها شغل له كأن يدرس أحد الكورسات للطلبة ولو لمدة فصل دراسي واحد. نطق بهذا الطلب بصعوبة وسكت. وتملكتنا الدهشة فسكتنا نحن أيضاً. وسرنا بالقرب من النهر عائدين لوسط المدينة. وفيما بعد أقنعت نفسي أنه يعاني مللا ما أو أنه يبحث عن تجربة جديدة.
وبعد الندوة ذهبنا لأحد المطاعم الفخمة، وجلسنا في الداخل بجوار أحدى النوافذ، وما زلت أذكر المنظر الذي كنت أراه من النافذة ليلا. وكان هو بالطبع مركز الحديث، ولم أحاول مزاحمته أو ازعاجه في شيء. فقط كنت أعرف أنه أحد العالمين بالمتنبي ومن رواة شعره، فدخلت معه - على سبيل المداعبة - منافسة في إلقاء ما نحفظ من شعر المتنبي وبالطبع هزمني أمام الجميع. وقد تعجبت الأستاذة فيلاند من حفظنا لشعر المتنبي وسألت الطلبة الألمان إن كان أحدهم يحفظ شيئا لجوتة أو غيره من الشعراء الألمان فلم يجبها أحد. وكان الطيب صالح يتجاوب معنا بحب ويوزع اهتمامه على الجميع، وأذكر أنه سأل أصغر الطلبة الألمان، وكان شديد بياض البشرة، شديد الحياء وأي إحراج يظهر مباشرة على وجهه، سأله لماذا يتعلم العربية؟ وكأنه يقصد أنه ما زال صغيرا ويمكنه أن يبحث عن تخصص آخر. فقال الولد أنه شبَّ مع أسرته في إسبانيا، وأنه كان مبهورا بجمال المعمار والموزاييك هناك، ولم يكن يعرف لماذا تختلف إسبانيا عن بقية أوربا؟ وعندما كان في السادسة عشرة من عمره، أي قبل سنتين فقط، ذهب مع أمه إلى فاس في المغرب وهناك فقط عرف إجابة سؤاله عن سر تميز إسبانيا، وفرح أنه وجد الإجابة بنفسه وقرر أن يعرف هذه الحضارة ويدرس لغتها". صراحة بعد هذه الإجابة انكسفت أن أزعجه فيما بعد بأي طريقه.
وفي نهاية الليلة أضحكنا الطيب صالح وهو يحاول ترجمة اسم المستشرقة الألمانية روتراود فيلاند إلى العربية. وأخذ يقلب اسمها الأول في ذهنه ثم زعم أنه يقابل في العربية اسم (رضوى) لقرب الجرس أما المعنى كما قال فلا داعي له لأن الاسم العربي يعجبه وهذا يكفي. وفي هذه الليلة طلبت منه حوارا للنشر أسأله فيه عما أحب ويتكلم هو كما يحب دون أسئلة. وتواعدنا صباحا قبل أن يغادر إلى برلين.
وعند انتهاء الحوار قلت لنفسي أنه حوار مهم بالفعل ولكن لم أدر ماذا أفعل به آنذاك. وكنت أكره الصحافة - عن تجربة - ولذا عزمت على ترك الحوار في الدرج واستخدامه فيما بعد في أي دراسة أنشرها عنه. وبعد عدة أيام اتصل بي من برلين طبيب سوداني اسمه (حامد فضل الله) وقال لي أنه سأل الطيب صالح حوارا لمجلة سودانية فأشار عليه أن يتصل بي ليأخذ نسخة من حواري معه لأنه أفضل حوار عمله! رغم دهشتي أرسلت له - دون مبالاة - نسخة من الحوار وطالبته إذا نشره أن يكون باسمي فوعدني، ولكني لا أدري هل فعل أم لا؟! وقد اكتفيت آنذاك بإجابات الطيب صالح وحذفت أسئلتي التي لم أعد أذكرها، مما جعل الأمر يبدو وكأن الحوار مقالة ذاتية للطيب صالح، خاصة وأنني سجلت كلماته كما نطق بها.
وبعد الحوار جاءت المستشرقة فيلاند لتشاركه الغذاء، وكانت قد دعتني أيضاً. وبعد الغذاء خرجا وأنا معهما نتمشى. وتحدثنا طويلا. نميمة ثقافية مما تشتاقه الأنفس وتلتذ به. وعندما وصلنا للأحراش خارج المدينة وهممنا بالعودة فوجئت بأن الطيب صالح يسأل الأستاذة فيلاند إن كان لديها شغل له كأن يدرس أحد الكورسات للطلبة ولو لمدة فصل دراسي واحد. نطق بهذا الطلب بصعوبة وسكت. وتملكتنا الدهشة فسكتنا نحن أيضاً. وسرنا بالقرب من النهر عائدين لوسط المدينة. وفيما بعد أقنعت نفسي أنه يعاني مللا ما أو أنه يبحث عن تجربة جديدة.
نص الحوار:
(1) ولدت فى قرية تقع بين البدو
والنوبيين فى وادى حلفا بشمال السودان عام 1929. تعلمت قليلا من القرآن بكتاب
القرية ومدرستها الابتدائية ثم التحقت بمدرسة "وادى سيدنا الثانوية" على
حدود الخرطوم. هذه المدرسة كانت إحدى مدرستين كبيرتين فى عهد الانجليز وكانت
الأخرى تدعى "حنتوب" بالجزيرة.
(2) أنا أقول حين أسئل بأنني لم أرد أن أكون كاتبا السبب لأننا فى السودان حين دخلنا الجامعة فى آخر الأربعينات كان عددنا قليلا وكنا نفكر فى أن نتعلم أشياء مفيدة لوطننا مثل الط...ب والهندسة والزراعة والبيطرة. ورغم حبى للأدب وللغتين العربية والإنجليزية إلا إنني شرعت فى دراسة العلوم. كنت أريد أن أدرس الزراعة لأن أهلي من بيئة زراعية، وكان صعبا بالنسبة لأهلنا - وكان أغلبنا من القرى - أن نقول عندما يسألوننا ماذا تدرسون؟ أننا ندرس الأدب! مجتمعنا يعرف ولا شك قيمة الأدب لكن كشئ اضافى!. والآن وبعد أن أصبحت كاتبا ليس عندي هذا الالتزام الكامل!
(3) اشتغلت لمدة عامين بالتعليم، وقضيت فترة بمعهد "بخت الرضا" وكان معهدا مشهورا جدا أسسه الانجليز أيضاً، وكانت به تجارب تعليمية متقدمة، وأساتذة كبار تقلدوا مناصب كبيرة فى السودان بعد الاستقلال مثل المرحوم عبدالرحمن على طه والمرحوم مكى عباس والدكتور أحمد الطيب. ثم ذهبت إلى لندن عام 1953 منتدبا من حكومة السودان لمدة خمس سنوات للعمل فى هيئة الإذاعة البريطانية (.B.B.C) فى هذه الفترة درست العلوم السياسية فى جامعة لندن. وعدت للسودان فى عهد الديمقراطية الثانية وعملت مستشارا فى وزارة الإعلام لكنني عدت بعد عام واحد إلى هيئة الإذاعة البريطانية بلندن. وفى عام 1974 التحقت بالعمل فى حكومة قطر مديرا عاما لوزارة الإعلام القطرية وأصدرت خلالها جريدة "الإعلام". وفى عام 1980 التحقت بالعمل فى اليونسكو فى باريس وتعلمت آنذاك شيئا من الفرنسية. وفى عام 1985 أرسلوني للخليج كممثل لليونسكو. والآن أنا متقاعد وأقيم فى لندن.
(4) بدأت أكتب فى لندن. والكتابة بالنسبة لى كانت عبارة عن إقامة جسور تواصل مع العالم الذى تركته فى السودان. كتابة فيها نوع من الحنين. ومن أوائل القصص التى كتبتها قصة "نخلة على الجدول" فيها هذا الإحساس بالحنين إلى أهلي فى السودان. ثم كتبت بعض القصص حتى لم أعبأ بنشرها، وفى أواخر الخمسينات كتبت قصة "دومة ود حامد" ونشرت القصة أظن عام 1960 فى مجلة "أصوات" التى كان يصدرها فى لندن باللغة العربية صديق انجليزي أصبح فيما بعد المترجم لكل أعمالي هو المستشرق المعروف "جونز ديفز". ترجم ديفز هذه القصة إلى الانجليزية وأرسلها إلى مجلة أدبية كبيرة تصدر فى لندن ولدهشته الشديدة قبلوها فورا ونشروها. بعد ذلك بقليل ذهبت إلى أوكسفورد لزيارة أصدقائي وقابلت بعض الأساتذة الانجليز فقال لى أحدهم: قصتك أحلى من قصة نورمان ميلر التى نشرت فى العدد نفسه. وأن ميلر يمكنه أن يتعلم منك!. قلت: سبحان الله! نورمان ميلر كان آنذاك كاتبا كبيرا بينما لا يعرفني أحد! قلت لنفسي "والله يبدو أننى استطيع أن أصبح كاتبا!". وصارت الأمور بعد ذلك كما تعرف، وصدرت روايتي المعروفة "موسم الهجرة للشمال" وقد صدرت للمرة الأولى فى مجلة "حوار" البيروتية عام 1966 وكان يشرف على تحريرها توفيق صايغ، وقد ساعدنى على نشر "عرس الزين" أيضا. ثم نشرت "دومة ود حامد" وثلاثية "بندر شاه" التى صدر منها قسمان: "ضوء البيت" و"مريود" ومازلت أحاول منذ عشر سنوات إنهاء الجزء الثالث ولكن شغلتنى عنه مشاغل الدنيا!
(5) يقال أن الغربة عموما لها أثر فى الأدب، وأظن لو لم اغترب وأعيش فى انجلترا ما كتبت "موسم الهجرة للشمال". وهذه الرواية هى رواية غربة ومنفى. منفى بالمعنى العام لأنني ذهبت باختياري ولكن فيها أحاسيس حادة وإحساس بأن الشخصية الرئيسية فى الرواية أصبح فى اللامكان…عموما لا أريد أن استفيض فى شرح ما قصدت فهذا شغل الأساتذة الكبار وما أنا إلا كاتب مسكين!
(6) تأثري بالأدب الانجليزي لا ينكر خصوصا الرواية الانجليزية فى القرن 19 جورج اليوت ورتشاردسون. وبالطبع كان لش...كسبير تأثير كبير خاصة مسرحيتي "الملك لير" و"ريتشارد الثالث" وكذلك تأثرت "بقلب الظلام" لكونراد هذا إلى جانب كتاب مثل ديكنز وفولكنز. وكانت استفادتي أكثر فى مجال التكنيك.
(7) لو أعدت كتابة "موسم الهجرة للشمال" فسأغير الكثير، فالبيئة التى عاش فيها هذا الشخص وهى بريطانيا قد تغيرت بشكل كبير فأحداث الرواية تدور فى فترة ما بين الحربين العالميتين لذا نجده يردد عبارة "جرثومة العنف الأوروبي الأكبر" الآن الوضع مختلف. فهو لعب من الناحية السياسية على فكرة أنه ينتمى إلى أمة مستعمرة الآن كل الدول الأفريقية استقلت. الآن توجد مشاكل من نوع آخر. كذلك التطور الكبير فى وسائل الاتصال سيضعف ولا شك من اعتماد الرواية القوى على فكرة السحر أو الأكزوتيزم فمثل هذه الأوهام لا تباع الآن!
(8) قد تفاجأ عندما اذكر لك أن الأسماء التى تتكرر فى رواياتى هى هى نفس الأسماء، لأنني ومنذ أن بدأت الكتابة اكتب عن نفس القرية "قرية ود حامد" بنفس شخصياتها وكل شخصية من هذه الشخصيات ترمز لمجموعة من الأخلاقيات. لقد تغيرت ود حامد الآن كثيرا. حتى الراوى فى "موسم الهجرة للشمال" حينما عاد للقرية عاد وخيال القرية القديمة فى ذهنه لكنه لم يجدها كما كانت وجدها قد تغيرت.
(9) لى مدة لم اكتب رواية لكننى لم أتوقف عن الكتابة فأنا اكتب منذ قرابة عشر سنوات صفحة فى مجلة عربية تصدر فى لندن بعنوان مجلة "المجلة". وفى هذه الصفحة مارست نوعا من الصحافة الأدبية. كتبت عن رحلاتى فى العالم واستغليت هذا الشكل للكتابة عن ثقافات وشعوب مختلفة مثل شعوب استراليا الأصلية وهى شعوب لها ثقافتها الجميلة جدا. كتبت عدة مقالات عن شاعر أموي لم يدرس بعد بصورة جيدة وهو "ذو الرمة" وهو شاعر مهم جدا لما لديه من ملامح كثيرة للمعاصرة مثل حبه للبيئة والطبيعة والحيوان ، وكتبت عن أبى العلاء والمتنبى وعن الشاعر السودانى الكبير "الحردلو" من أواخر القرن الماضى. كما ترجمت جزءا كبيرا من كتاب المؤرخ الفرنسى فرناند روديل "هوية فرنسا". وأعتقد أن فى هذا إبداع مثل غيره. فالطاقة الإبداعية يمكن توجيهها فى مسارب مختلفة. ولكنى لسبب ما توقفت قليلا عن كتابة الرواية لأن المشروع الروائى الذى أعمل فيه (الجزء الثالث من بندر شاه) تعقد جدا والواقع كذلك. وأنا عموما لا أؤمن بالكثرة. صحيح أن الغزارة فى الإنتاج مع الجودة شئ جميل لكنه لا يتوفر. ثم إننى أقرأ كثيرا فى التاريخ والسير وعلم الاجتماع وبقية العلوم الحديثة التى لها صلة بالأدب... لو تمكنت فيما بقى لى من كتابة ثلاث روايات لكفانى.
(2) أنا أقول حين أسئل بأنني لم أرد أن أكون كاتبا السبب لأننا فى السودان حين دخلنا الجامعة فى آخر الأربعينات كان عددنا قليلا وكنا نفكر فى أن نتعلم أشياء مفيدة لوطننا مثل الط...ب والهندسة والزراعة والبيطرة. ورغم حبى للأدب وللغتين العربية والإنجليزية إلا إنني شرعت فى دراسة العلوم. كنت أريد أن أدرس الزراعة لأن أهلي من بيئة زراعية، وكان صعبا بالنسبة لأهلنا - وكان أغلبنا من القرى - أن نقول عندما يسألوننا ماذا تدرسون؟ أننا ندرس الأدب! مجتمعنا يعرف ولا شك قيمة الأدب لكن كشئ اضافى!. والآن وبعد أن أصبحت كاتبا ليس عندي هذا الالتزام الكامل!
(3) اشتغلت لمدة عامين بالتعليم، وقضيت فترة بمعهد "بخت الرضا" وكان معهدا مشهورا جدا أسسه الانجليز أيضاً، وكانت به تجارب تعليمية متقدمة، وأساتذة كبار تقلدوا مناصب كبيرة فى السودان بعد الاستقلال مثل المرحوم عبدالرحمن على طه والمرحوم مكى عباس والدكتور أحمد الطيب. ثم ذهبت إلى لندن عام 1953 منتدبا من حكومة السودان لمدة خمس سنوات للعمل فى هيئة الإذاعة البريطانية (.B.B.C) فى هذه الفترة درست العلوم السياسية فى جامعة لندن. وعدت للسودان فى عهد الديمقراطية الثانية وعملت مستشارا فى وزارة الإعلام لكنني عدت بعد عام واحد إلى هيئة الإذاعة البريطانية بلندن. وفى عام 1974 التحقت بالعمل فى حكومة قطر مديرا عاما لوزارة الإعلام القطرية وأصدرت خلالها جريدة "الإعلام". وفى عام 1980 التحقت بالعمل فى اليونسكو فى باريس وتعلمت آنذاك شيئا من الفرنسية. وفى عام 1985 أرسلوني للخليج كممثل لليونسكو. والآن أنا متقاعد وأقيم فى لندن.
(4) بدأت أكتب فى لندن. والكتابة بالنسبة لى كانت عبارة عن إقامة جسور تواصل مع العالم الذى تركته فى السودان. كتابة فيها نوع من الحنين. ومن أوائل القصص التى كتبتها قصة "نخلة على الجدول" فيها هذا الإحساس بالحنين إلى أهلي فى السودان. ثم كتبت بعض القصص حتى لم أعبأ بنشرها، وفى أواخر الخمسينات كتبت قصة "دومة ود حامد" ونشرت القصة أظن عام 1960 فى مجلة "أصوات" التى كان يصدرها فى لندن باللغة العربية صديق انجليزي أصبح فيما بعد المترجم لكل أعمالي هو المستشرق المعروف "جونز ديفز". ترجم ديفز هذه القصة إلى الانجليزية وأرسلها إلى مجلة أدبية كبيرة تصدر فى لندن ولدهشته الشديدة قبلوها فورا ونشروها. بعد ذلك بقليل ذهبت إلى أوكسفورد لزيارة أصدقائي وقابلت بعض الأساتذة الانجليز فقال لى أحدهم: قصتك أحلى من قصة نورمان ميلر التى نشرت فى العدد نفسه. وأن ميلر يمكنه أن يتعلم منك!. قلت: سبحان الله! نورمان ميلر كان آنذاك كاتبا كبيرا بينما لا يعرفني أحد! قلت لنفسي "والله يبدو أننى استطيع أن أصبح كاتبا!". وصارت الأمور بعد ذلك كما تعرف، وصدرت روايتي المعروفة "موسم الهجرة للشمال" وقد صدرت للمرة الأولى فى مجلة "حوار" البيروتية عام 1966 وكان يشرف على تحريرها توفيق صايغ، وقد ساعدنى على نشر "عرس الزين" أيضا. ثم نشرت "دومة ود حامد" وثلاثية "بندر شاه" التى صدر منها قسمان: "ضوء البيت" و"مريود" ومازلت أحاول منذ عشر سنوات إنهاء الجزء الثالث ولكن شغلتنى عنه مشاغل الدنيا!
(5) يقال أن الغربة عموما لها أثر فى الأدب، وأظن لو لم اغترب وأعيش فى انجلترا ما كتبت "موسم الهجرة للشمال". وهذه الرواية هى رواية غربة ومنفى. منفى بالمعنى العام لأنني ذهبت باختياري ولكن فيها أحاسيس حادة وإحساس بأن الشخصية الرئيسية فى الرواية أصبح فى اللامكان…عموما لا أريد أن استفيض فى شرح ما قصدت فهذا شغل الأساتذة الكبار وما أنا إلا كاتب مسكين!
(6) تأثري بالأدب الانجليزي لا ينكر خصوصا الرواية الانجليزية فى القرن 19 جورج اليوت ورتشاردسون. وبالطبع كان لش...كسبير تأثير كبير خاصة مسرحيتي "الملك لير" و"ريتشارد الثالث" وكذلك تأثرت "بقلب الظلام" لكونراد هذا إلى جانب كتاب مثل ديكنز وفولكنز. وكانت استفادتي أكثر فى مجال التكنيك.
(7) لو أعدت كتابة "موسم الهجرة للشمال" فسأغير الكثير، فالبيئة التى عاش فيها هذا الشخص وهى بريطانيا قد تغيرت بشكل كبير فأحداث الرواية تدور فى فترة ما بين الحربين العالميتين لذا نجده يردد عبارة "جرثومة العنف الأوروبي الأكبر" الآن الوضع مختلف. فهو لعب من الناحية السياسية على فكرة أنه ينتمى إلى أمة مستعمرة الآن كل الدول الأفريقية استقلت. الآن توجد مشاكل من نوع آخر. كذلك التطور الكبير فى وسائل الاتصال سيضعف ولا شك من اعتماد الرواية القوى على فكرة السحر أو الأكزوتيزم فمثل هذه الأوهام لا تباع الآن!
(8) قد تفاجأ عندما اذكر لك أن الأسماء التى تتكرر فى رواياتى هى هى نفس الأسماء، لأنني ومنذ أن بدأت الكتابة اكتب عن نفس القرية "قرية ود حامد" بنفس شخصياتها وكل شخصية من هذه الشخصيات ترمز لمجموعة من الأخلاقيات. لقد تغيرت ود حامد الآن كثيرا. حتى الراوى فى "موسم الهجرة للشمال" حينما عاد للقرية عاد وخيال القرية القديمة فى ذهنه لكنه لم يجدها كما كانت وجدها قد تغيرت.
(9) لى مدة لم اكتب رواية لكننى لم أتوقف عن الكتابة فأنا اكتب منذ قرابة عشر سنوات صفحة فى مجلة عربية تصدر فى لندن بعنوان مجلة "المجلة". وفى هذه الصفحة مارست نوعا من الصحافة الأدبية. كتبت عن رحلاتى فى العالم واستغليت هذا الشكل للكتابة عن ثقافات وشعوب مختلفة مثل شعوب استراليا الأصلية وهى شعوب لها ثقافتها الجميلة جدا. كتبت عدة مقالات عن شاعر أموي لم يدرس بعد بصورة جيدة وهو "ذو الرمة" وهو شاعر مهم جدا لما لديه من ملامح كثيرة للمعاصرة مثل حبه للبيئة والطبيعة والحيوان ، وكتبت عن أبى العلاء والمتنبى وعن الشاعر السودانى الكبير "الحردلو" من أواخر القرن الماضى. كما ترجمت جزءا كبيرا من كتاب المؤرخ الفرنسى فرناند روديل "هوية فرنسا". وأعتقد أن فى هذا إبداع مثل غيره. فالطاقة الإبداعية يمكن توجيهها فى مسارب مختلفة. ولكنى لسبب ما توقفت قليلا عن كتابة الرواية لأن المشروع الروائى الذى أعمل فيه (الجزء الثالث من بندر شاه) تعقد جدا والواقع كذلك. وأنا عموما لا أؤمن بالكثرة. صحيح أن الغزارة فى الإنتاج مع الجودة شئ جميل لكنه لا يتوفر. ثم إننى أقرأ كثيرا فى التاريخ والسير وعلم الاجتماع وبقية العلوم الحديثة التى لها صلة بالأدب... لو تمكنت فيما بقى لى من كتابة ثلاث روايات لكفانى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق