عندما زارنا نصر أبوزيد في جامعة
بامبيرج (سنة 2000) كان ذلك دورة لطلبة الدكتوراة لمدة شهر مقسمة على مرتين
وموضوعها "التأويل في التراث الإسلامي" ربما سأكتب عن تلك الدورة في يوم
ما بتوسع. المهم كنت أعرف د. نصر من قبل وكان يعرفني لكن معرفة سطحية. المهم تقاربنا
منذ أول يوم رغم أنه في كرسي الأستاذية وأنا في كرسي طالب الدكتوراة، وكنت أنا
رفيقه طوال الفترة منذ الصباح وحتى موعد النوم!. بعد ...المرة الأولى عندما عاد
إلى لايدن أرسل لي طردا ضخما فيه كل كتبه موقعة ومهداة. وبعد انتهاء دراستي في
ألمانيا كنت أرسل كل كتبي بالبريد على مصر. كل الكتب مرت إلا طردين. طرد به كتب
ألمانية ببعضها صور متخيلة للنبي محمد (ص)، والطرد الثاني كما توقعت كان به كتب
نصر حامد أبوزيد. سألت في بريد رمسيس ووجدت الكتب، ولكن قيل لي أن الأزهر هو الذي
صادر الكتب ولا يمكن إعطائي الكتب إلا من هناك. ولابد وأن تذهب بالكتب مع موظف من
عندنا إلى مكتب رقابة الأزهر بمدينة نصر،. ذهبت مع الموظف إلى شارع يوسف عباس
وقابلت شيوخ الرقابة. كانوا ثلاثة في المكتب يقرأون الصحف ويحلون الكلمات
المتقاطعة ومع ذلك قالوا بأن ليس لديهم وقت ولا بد من العودة في يوم آخر. كاد موظف
البريد أن يشخر للشيوخ، وقال: أنا اللي معنديش وقت، ولابد من مراجعة الكتب الأن
وإعطاء الدكتور ما لا يهمكم. فوجئوا بلقب دكتور فاهتموا فتحوا الطردين، وبدأوا
تقسيم الكتب بطريقة فكاهية فقال كبيرهم: "هذا لك وهذا للمفرمة.. هذا لك وهذا
للمفرمة". المهم صنع كومتين من الكتب. حتى وصلنا إلى كتب د. أبوزيد فقال:
"هذه بالطبع للمفرمة". طبعا هذه المرة نسيت الدكترة وكدت أنا أن أشخر
للشيخ وقلت له: "لماذا؟ دا لو حضرتك رحت لحد مكتبة مدبولي ستجدها في
الفاترينة وعلى الرصيف عادي!". فقال: مش مشكلتي الكتب دي دي في "البلاك
- ليست" بتاع الأزهر. كنت أسمع لأول مرة إن الأزهر - مثل الفاتيكان - لديه
(بلاك – ليست). ثم أعطاني هذا المثل المبهر: "مش حضرتك الحشيش ممنوع في
البلد. ممنوع ولا مش ممنوع؟ قلت: ممنوع. قال: لكنه مالي البلد، وإذا بوليس
المكافحة وجد حد معاه حشيش بيصادرها ولا بيقول دي ملية البلد وعند مدبولي. هه
جوابني يا دكتور". طبعا تجاهلت تشبيه كتب د. أبوزيد بالحشيش وقلت: بيصادرها
طبعا. قال: "أهو أنا زي بوليس المكافحة لازم أصادرها. ولا هي المفرمة دي مش
عايزة تاكل برضه". وضحكنا جميعا وقلت له: "الكتب دي عليها إهداءات وأنا
عاوزها فهل من الممكن اروح لحد مكتبة مدبولي اشتري لحضراتك نسخ أخرى للمفرمة
وتديني دي". أصغر الشيوخ كان متعاطف معي، ولكنه لم يتكلم منذ البداية، وهنا
لا أدري لماذا أسرع بالموافقة فكبس الشيخ الأول فقال: "لو جبتهم النهاردة
ماشي". وهذا ما حدث.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق