كلما ذهبت إلى وسط بروكسل أكاد اصطدم كل عدة أمتار بأحد المبشرين، تجده يقف
بمفرده وفي يده الإنجيل أو مع مجموعة ومعهم حامل يرصون عليه كتب التبشير ويعترضون
الرائح والغادي. وهؤلاء المساكين ينتمون في الغالب لأحد الاتجاهات المسيحية
المتطرفة وعلاقتهم بالكنيسة الرسمية غير واضحة. ما أن يلمح سحنتك حتى يتقدم منك
بابتسامة عريضة وهو عازم على قطع حبل أفكارك، وفي هذه اللحظة بالذات تخطر في بالي
أم كلثوم وكأنها تغني "متبشرنيش مخلاص". فيقول لك "لو سمحت يا أخي
في الإنسانية هل أجد عندك دقيقة واحده للرب". ونصيحتي هنا بضرورة البعد عن كل
من يلقاك بابتسامة عريضة دون معرفة سابقة. أما عن المبشرين وابتسامتهم فالأفضل
أيضاً أن تواصل سيرك كما كنت، لا تقف، ولكن لا مانع من أن تقذفه باعتذار سريع وأنت
تبتعد عنه. البعض منا قديما كان يتفاكه وهذا خطر. أنا سمعت مرة واحد يجيب
"للرب! ولا ثانية. إنه لا يستحق!". أنا نفسي انزعجت من الإجابة. في
الغالب هذا المبشِر وأمثاله لا يعتقد ولا يظن أنك ستتبعه مباشرة وإلا لخاف منك وظن
بك الظنون. هو فقط يريد الحوار ويعتبره نجاحا له، لذا لا بد وأن تتجاهله ولا تتوقف
ولو لثانية واحدة. أنا أفعل هذا الآن وأقول هذا لنفسي أولاً.
قديما كان يمكن أن أتكلم مع أحدهم لدقائق طويلة. أذكر مرة أن أحدهم وكان ألمانيا ظل يكلمني عن الخطيئة الأصلية، وكيف أن الله غضب على أدم وحواء وطردهما من الفردوس، وفي النهاية بعث ابنه يسوع فتعذب وصُلب ليخلصنا. بالطبع دخلت معه في جدال طويل لكن مألوف، وكنت أقول له "يا أخي أنتم كألمان أهل منطق فكيف تؤمنون بإله يأتي بتصرفات غير منطقية. ما الداعي لكل هذا اللف والدوران. أدم غلط واتربي وخلصنا، فما ذنب بقية الأجيال؟ ولو فرضنا أن لهذا الإله ابنا، وهذا غير منطقي أيضاً، فلماذا يترك الأخرين يعذبونه ويصلبونه فقط حتى يخلص هؤلاء الأخرين من جريرة أدم التي لا ذنب لهم فيها. لو كان إلها منطقيا لغفر من البداية واراحنا من هذه العملية الدموية، وخلصنا من هذا الموضوع وارتحنا من العداوات المستمرة ومن المبشرين الأغبياء" بالطبع كاد أن ينتهي الأمر بشجار.
ولأن مثل هذا السيناريو كان يتكرر كثيرا كنت اضطر لقطع الموضوع وانهائه بأي طريقة. أتذكر أنني كنت أحب التردد على مكتبة معهد اللاهوت في الجامعة. وفي أحد المرات أعجبني كتابين كان أحدهما بمثابة توثيق لعلاقة ديلسبس (بتاع قناة السويس) مع البعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر، خاصة التي كانت تخطط لطريق الحواريين. أما الكتاب الآخر فكان عن تاريخ المبشرين في العالم كله، حياتهم وأعمالهم وكنائسهم فقررت استعارة الكتابين وتصويرهما لمشروع محتمل خايلني في لحظتها. وعندما خرجت من المكتبة جلست في الحديقة المجاورة التي تفصلها عن مكتبة الدراسات الإسلامية. وما أن جلست حتى جاء أحدهم، كنت رأيته قبل أن أجلس وعرفت ماذا يفعل، ولأن أحدا لا يقف له فبالتأكيد سيأتي إليّ. وقد كان وجلس بالقرب مني وقال لي كالعادة "هل ممكن أسألك عن شيء ما" ولأنني كنت أبحث عن تسلية قلت له "تفضل". فسألني إن كنت أعرف يسوع المخلص. قلت "طبعا أعرفه كأنه صديق مقرب لي، فأنا أدرسه وأعايشه ليل نهار". قال "كيف؟ ولماذا؟". فقلت أعابثه "ربما لا تعلم أنني أكبر بروفوسور مصري في مقارنة الأديان. وأنا هنا كي أعطي ثلاث محاضرات عن مخطوطات نجع جمادي، وعن أن أناجيل برنابا ومارية المجدلية ويهوذا الاسخريوطي وحتى إنجيل رمسيس، كلها تعطي صورة أصح للمسيح وأقرب للحقيقة من تلك التي في الأناجيل الأربعة الرسمية لدى الكنيسة وأن.. تعال يأخ انت رايح فين؟". فقال "عن إذنك ده موعد الوجبة الجماعية في الكنيسة". ونفد بجلده.
الآن لم تعد لدي هذه القدرة على العبث والمعابثة، ربما لأنني أصبحت، بعد الخمسين، سريع الملل وأسرع من ذلك في البعد عن الجدال والنقاشات الطويلة. ولذا عندما أرى أحد هؤلاء المبشرين قادما باتجاهي لا أجد إلا الحل الكلثومي الجميل "متبشرنيش مخلاص أنا فاض بي ومليت".
قديما كان يمكن أن أتكلم مع أحدهم لدقائق طويلة. أذكر مرة أن أحدهم وكان ألمانيا ظل يكلمني عن الخطيئة الأصلية، وكيف أن الله غضب على أدم وحواء وطردهما من الفردوس، وفي النهاية بعث ابنه يسوع فتعذب وصُلب ليخلصنا. بالطبع دخلت معه في جدال طويل لكن مألوف، وكنت أقول له "يا أخي أنتم كألمان أهل منطق فكيف تؤمنون بإله يأتي بتصرفات غير منطقية. ما الداعي لكل هذا اللف والدوران. أدم غلط واتربي وخلصنا، فما ذنب بقية الأجيال؟ ولو فرضنا أن لهذا الإله ابنا، وهذا غير منطقي أيضاً، فلماذا يترك الأخرين يعذبونه ويصلبونه فقط حتى يخلص هؤلاء الأخرين من جريرة أدم التي لا ذنب لهم فيها. لو كان إلها منطقيا لغفر من البداية واراحنا من هذه العملية الدموية، وخلصنا من هذا الموضوع وارتحنا من العداوات المستمرة ومن المبشرين الأغبياء" بالطبع كاد أن ينتهي الأمر بشجار.
ولأن مثل هذا السيناريو كان يتكرر كثيرا كنت اضطر لقطع الموضوع وانهائه بأي طريقة. أتذكر أنني كنت أحب التردد على مكتبة معهد اللاهوت في الجامعة. وفي أحد المرات أعجبني كتابين كان أحدهما بمثابة توثيق لعلاقة ديلسبس (بتاع قناة السويس) مع البعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر، خاصة التي كانت تخطط لطريق الحواريين. أما الكتاب الآخر فكان عن تاريخ المبشرين في العالم كله، حياتهم وأعمالهم وكنائسهم فقررت استعارة الكتابين وتصويرهما لمشروع محتمل خايلني في لحظتها. وعندما خرجت من المكتبة جلست في الحديقة المجاورة التي تفصلها عن مكتبة الدراسات الإسلامية. وما أن جلست حتى جاء أحدهم، كنت رأيته قبل أن أجلس وعرفت ماذا يفعل، ولأن أحدا لا يقف له فبالتأكيد سيأتي إليّ. وقد كان وجلس بالقرب مني وقال لي كالعادة "هل ممكن أسألك عن شيء ما" ولأنني كنت أبحث عن تسلية قلت له "تفضل". فسألني إن كنت أعرف يسوع المخلص. قلت "طبعا أعرفه كأنه صديق مقرب لي، فأنا أدرسه وأعايشه ليل نهار". قال "كيف؟ ولماذا؟". فقلت أعابثه "ربما لا تعلم أنني أكبر بروفوسور مصري في مقارنة الأديان. وأنا هنا كي أعطي ثلاث محاضرات عن مخطوطات نجع جمادي، وعن أن أناجيل برنابا ومارية المجدلية ويهوذا الاسخريوطي وحتى إنجيل رمسيس، كلها تعطي صورة أصح للمسيح وأقرب للحقيقة من تلك التي في الأناجيل الأربعة الرسمية لدى الكنيسة وأن.. تعال يأخ انت رايح فين؟". فقال "عن إذنك ده موعد الوجبة الجماعية في الكنيسة". ونفد بجلده.
الآن لم تعد لدي هذه القدرة على العبث والمعابثة، ربما لأنني أصبحت، بعد الخمسين، سريع الملل وأسرع من ذلك في البعد عن الجدال والنقاشات الطويلة. ولذا عندما أرى أحد هؤلاء المبشرين قادما باتجاهي لا أجد إلا الحل الكلثومي الجميل "متبشرنيش مخلاص أنا فاض بي ومليت".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق