هنا اكتب في
الغالب عن ثلاث مدن عشت فيها ثلاث حيوات منفصلة متصلة، كرداسة وبامبرج وبروكسل.
في كرداسة عشت
طفولة شبه أسطورية قبل أن تدخلها الكهرباء وينتشر الراديو والتلفزيون والجماعات.
حياة تركت ندبات لا تمحى أحملها معي حيثما أرتحل. كانت حياة مملوءة بالمتصوفة
والشيوخ الربانيين واللصوص وقطاع الطرق والقتلة المأجورين، لكن أجمل ما فيها كان
الريف القديم وفلاحوه بالجلابيب الزرقاء على الشادوف والطنبور وفي الغيطان، وشجر
التوت والصفصاف على الترع والمصارف، ومواسم جمع... القطن، والبيوت القديمة المبنية
من الطوب اللبن، ورائحة خبز البتاو الساخن، وجو صلاة الفجر، وحلوى موالد الصالحين،
وأشياء أخرى لا تحصى. الآن عندما أعود إلى كرداسة لا أجدها، اختفت غيطانها تحت
طبقات الإسمنت، وردمت الترع والمصارف بأكوام الزبالة وبالصرف، وازدحمت شوارعها
بالأغراب وبأجيال جديدة لا أعرفها، ولا أحد من الجيل الأسطوري الذي عرفته يوما.
وعندما انتقلت
للدراسة بمدينة بامبرج العتيقة لم أشعر كما قلت مرة بأي صدمة حضارية، ورغم ذلك كان
هذا الانتقال - وبإرادتي الشخصية - أشبه بالقطيعة المعرفية كما يقال. كان لدي عزم
أكيد على أن أغرق ما استطعت في الحياة الجديدة: الجامعات والمكتبات واللغات
والمسارح والمهرجانات وقاعات السينما والموسيقى. الغريب أنني كنت أسجل كل شيء
يوميا، الكتب التي كنت أطلع عليها والحوارات والمحاضرات والندوات والأفلام وزيارة
المدن الأخرى والبرامج التلفزيونية وحتى النكات الألمانية. والآن عندما أتعثر فيما
كتبت أنبهر لجنون الكتابة التي تملكني آنذاك، كميات رهيبة من الأوراق والدفاتر عن
كل شيء حتى العلاقات العابرة. أحيانا أترك ما في يدي وأعكف على ترتيب كل ذلك
وكأنني أؤلف حياتي من جديد، وكان هذا أحد أهدافي من المجيء إلى بروكسل، مدينتي
الثالثة، ولكن سرعان ما تجرفني المشاغل فأتشاغل وأنسى ما بدأت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق