السبت، 9 يناير 2016

الرجل البيانولا


هذا الرجل العجوز، عازف البيانولا، هو أحد الظواهر السنوية اللطيفة والطريفة في بروكسل، ووراءه سر لا أعرفه، والناس هنا تعامله بلطف كبير وكأنه ليس شحاذا.
وأهل بروكسل في رأيي لا يحبون الشحاذين، ونادرا ما يعطون أي شحاذ في الطريق خاصة في أيام الأعياد حيث تمتلأ الشوارع وبشكل غريب بهم! لكن من الأشياء الطيبة أن عمال النظافة هم الفئة الوحيدة المسموح لها هنا بأن تدور على البيوت وتلم العيدية. آه والله. ففي فترة الأعياد تجد جرس الباب الرئيسي ضرب وعمال النظافة يقولون لك "سنة سعيدة مدام. سنة سعيدة مسيو. نحن عمال النظافة". وبالطبع أن...ت تفهم البقية. وأنت أيضاً مخير ممكن تنزل تديهم حاجة أو تطنش. في عامنا هذا عندما ضربوا الجرس وكان مساء سمعت إحدى جاراتي تقول لهم "نعم أعرفكم يا سيدي. ولكن ليس هذا هو الوقت المناسب يا سيدي". فقال أحدهم "شكرا سيدتي وكل عام وأنت بخير" وانصرفوا فلم أنزل. أما في المرة الأولى لي عندما نزلت وجدت بعض الجيران أيضاً. وكان عمال النظافة ثلاثة يحملون صندوقا لجمع التبرعات من هذه المنطقة، ولهم زملاء في مناطق أخرى. أحد الجيران البلجيك سألهم عن بطاقة الهوية وخطاب مكتب النظافة الرسمي ولما تأكد أعطاهم وأعطيناهم. وفي نهاية الموسم تجمع الأموال وتقسم بينهم بالتساوي.
أما الرجل البيانولا فوضع مختلف جدا. ما أن يظهر في شارع ويعزف على آلته وتنطلق الموسيقى حتى يفتح الناس، خاصة البنات والسيدات، الشبابيك والبلكونات ويرمون له باليوروهات المعدنية! هكذا بكل بساطة! اليوم مثلا ذهبت مع ابني الصغير لملعب الأطفال فوجدناه عند أول شارعنا والسكان في أول عمارة يضعون اليوروهات المعدنية في أكياس بلاستيكية صغيرة ويقذفونها له من أعلى. ورأيت فتيات وسيدات جميلات ينزلن بالروب ليعطينه بأنفسهن أوراقا مالية، لأنهن لو قذفن بها ستطير ويتعبونه في جمعها. وهكذا يظل الرجل اللطيف ينتقل من عمارة لأخرى، وكلما امتلأ الطبق باليوروهات وضعها في شنطته الجلدية بنية اللون المعلقة على الآلة ويكمل العزف. وإبان عودتي من ملعب الأطفال وجدته قد وصل بقرب منزلي. كنت أريد أن أسأله عن سره الباتع ولكن لم أفعل، بل أعطيته شيئا وصورته لكم، وهذه صورته لمن يريد أن يدعو عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق