السبت، 30 يناير 2016

حوار مع الطيب صالح

في يونيه 1999 زارنا الطيب صالح في جامعة بامبرج بعد أن زار عدة مدن ألمانية مثل برلين وليبزج ودرسدن وبامبرج وماربورج بدعوة من دار الكتاب الألماني فى لايبزج. وكان الهدف من الزيارة الحديث عن تجربته الإبداعية قراءة أجزاء من روايته "موسم الهجرة للشمال" والنقاش مع الطلبة والحضور.
وقد سعدت آنذاك بأن أكلف بمرافقته لتعريفه بالمدينة وتسهيل الأمور عليه فيها. وكان ينزل في فندق بالقرب من الجامعة يسمى "فيلد روزا" أي (الوردة البرية). وفي اليوم الأول أراد التعرف على المدينة القديمة لأنها بقيت على حالها منذ العصور الوسطى (والصورة هنا أثناء التمشية وكما ترى في يده كتاب سياحي عن بامبرج القديمة). وقال لي آنذاك أنه مفتون في هذه الفترة من حياته بتاريخ العصور الوسطى الأوربية وفنونها خاصة موسيقى الإنشاد الجريجوري اللاتيني، وسألني أين يمكن أن يجد محلا لبيع اسطواناتها فاصطحبته إلى أحد محلات الموسيقى فاشترى واحدة. ثم عدنا ليستريح قليلا قبل الندوة. وللحقيقة كان مبدعا في الألقاء قدر إبداعه في الكتابة.
وبعد الندوة ذهبنا لأحد المطاعم الفخمة، وجلسنا في الداخل بجوار أحدى النوافذ، وما زلت أذكر المنظر الذي كنت أراه من النافذة ليلا. وكان هو بالطبع مركز الحديث، ولم أحاول مزاحمته أو ازعاجه في شيء. فقط كنت أعرف أنه أحد العالمين بالمتنبي ومن رواة شعره، فدخلت معه - على سبيل المداعبة - منافسة في إلقاء ما نحفظ من شعر المتنبي وبالطبع هزمني أمام الجميع. وقد تعجبت الأستاذة فيلاند من حفظنا لشعر المتنبي وسألت الطلبة الألمان إن كان أحدهم يحفظ شيئا لجوتة أو غيره من الشعراء الألمان فلم يجبها أحد. وكان الطيب صالح يتجاوب معنا بحب ويوزع اهتمامه على الجميع، وأذكر أنه سأل أصغر الطلبة الألمان، وكان شديد بياض البشرة، شديد الحياء وأي إحراج يظهر مباشرة على وجهه، سأله لماذا يتعلم العربية؟ وكأنه يقصد أنه ما زال صغيرا ويمكنه أن يبحث عن تخصص آخر. فقال الولد أنه شبَّ مع أسرته في إسبانيا، وأنه كان مبهورا بجمال المعمار والموزاييك هناك، ولم يكن يعرف لماذا تختلف إسبانيا عن بقية أوربا؟ وعندما كان في السادسة عشرة من عمره، أي قبل سنتين فقط، ذهب مع أمه إلى فاس في المغرب وهناك فقط عرف إجابة سؤاله عن سر تميز إسبانيا، وفرح أنه وجد الإجابة بنفسه وقرر أن يعرف هذه الحضارة ويدرس لغتها". صراحة بعد هذه الإجابة انكسفت أن أزعجه فيما بعد بأي طريقه.
وفي نهاية الليلة أضحكنا الطيب صالح وهو يحاول ترجمة اسم المستشرقة الألمانية روتراود فيلاند إلى العربية. وأخذ يقلب اسمها الأول في ذهنه ثم زعم أنه يقابل في العربية اسم (رضوى) لقرب الجرس أما المعنى كما قال فلا داعي له لأن الاسم العربي يعجبه وهذا يكفي. وفي هذه الليلة طلبت منه حوارا للنشر أسأله فيه عما أحب ويتكلم هو كما يحب دون أسئلة. وتواعدنا صباحا قبل أن يغادر إلى برلين.
وعند انتهاء الحوار قلت لنفسي أنه حوار مهم بالفعل ولكن لم أدر ماذا أفعل به آنذاك. وكنت أكره الصحافة - عن تجربة - ولذا عزمت على ترك الحوار في الدرج واستخدامه فيما بعد في أي دراسة أنشرها عنه. وبعد عدة أيام اتصل بي من برلين طبيب سوداني اسمه (حامد فضل الله) وقال لي أنه سأل الطيب صالح حوارا لمجلة سودانية فأشار عليه أن يتصل بي ليأخذ نسخة من حواري معه لأنه أفضل حوار عمله! رغم دهشتي أرسلت له - دون مبالاة - نسخة من الحوار وطالبته إذا نشره أن يكون باسمي فوعدني، ولكني لا أدري هل فعل أم لا؟! وقد اكتفيت آنذاك بإجابات الطيب صالح وحذفت أسئلتي التي لم أعد أذكرها، مما جعل الأمر يبدو وكأن الحوار مقالة ذاتية للطيب صالح، خاصة وأنني سجلت كلماته كما نطق بها.
وبعد الحوار جاءت المستشرقة فيلاند لتشاركه الغذاء، وكانت قد دعتني أيضاً. وبعد الغذاء خرجا وأنا معهما نتمشى. وتحدثنا طويلا. نميمة ثقافية مما تشتاقه الأنفس وتلتذ به. وعندما وصلنا للأحراش خارج المدينة وهممنا بالعودة فوجئت بأن الطيب صالح يسأل الأستاذة فيلاند إن كان لديها شغل له كأن يدرس أحد الكورسات للطلبة ولو لمدة فصل دراسي واحد. نطق بهذا الطلب بصعوبة وسكت. وتملكتنا الدهشة فسكتنا نحن أيضاً. وسرنا بالقرب من النهر عائدين لوسط المدينة. وفيما بعد أقنعت نفسي أنه يعاني مللا ما أو أنه يبحث عن تجربة جديدة.
 
 نص الحوار:
(1) ولدت فى قرية تقع بين البدو والنوبيين فى وادى حلفا بشمال السودان عام 1929. تعلمت قليلا من القرآن بكتاب القرية ومدرستها الابتدائية ثم التحقت بمدرسة "وادى سيدنا الثانوية" على حدود الخرطوم. هذه المدرسة كانت إحدى مدرستين كبيرتين فى عهد الانجليز وكانت الأخرى تدعى "حنتوب" بالجزيرة.
(2) أنا أقول حين أسئل بأنني لم أرد أن أكون كاتبا السبب لأننا فى السودان حين دخلنا الجامعة فى آخر الأربعينات كان عددنا قليلا وكنا نفكر فى أن نتعلم أشياء مفيدة لوطننا مثل الط...ب والهندسة والزراعة والبيطرة. ورغم حبى للأدب وللغتين العربية والإنجليزية إلا إنني شرعت فى دراسة العلوم. كنت أريد أن أدرس الزراعة لأن أهلي من بيئة زراعية، وكان صعبا بالنسبة لأهلنا - وكان أغلبنا من القرى - أن نقول عندما يسألوننا ماذا تدرسون؟ أننا ندرس الأدب! مجتمعنا يعرف ولا شك قيمة الأدب لكن كشئ اضافى!. والآن وبعد أن أصبحت كاتبا ليس عندي هذا الالتزام الكامل!
(3) اشتغلت لمدة عامين بالتعليم، وقضيت فترة بمعهد "بخت الرضا" وكان معهدا مشهورا جدا أسسه الانجليز أيضاً، وكانت به تجارب تعليمية متقدمة، وأساتذة كبار تقلدوا مناصب كبيرة فى السودان بعد الاستقلال مثل المرحوم عبدالرحمن على طه والمرحوم مكى عباس والدكتور أحمد الطيب. ثم ذهبت إلى لندن عام 1953 منتدبا من حكومة السودان لمدة خمس سنوات للعمل فى هيئة الإذاعة البريطانية (.B.B.C) فى هذه الفترة درست العلوم السياسية فى جامعة لندن. وعدت للسودان فى عهد الديمقراطية الثانية وعملت مستشارا فى وزارة الإعلام لكنني عدت بعد عام واحد إلى هيئة الإذاعة البريطانية بلندن. وفى عام 1974 التحقت بالعمل فى حكومة قطر مديرا عاما لوزارة الإعلام القطرية وأصدرت خلالها جريدة "الإعلام". وفى عام 1980 التحقت بالعمل فى اليونسكو فى باريس وتعلمت آنذاك شيئا من الفرنسية. وفى عام 1985 أرسلوني للخليج كممثل لليونسكو. والآن أنا متقاعد وأقيم فى لندن.
(4) بدأت أكتب فى لندن. والكتابة بالنسبة لى كانت عبارة عن إقامة جسور تواصل مع العالم الذى تركته فى السودان. كتابة فيها نوع من الحنين. ومن أوائل القصص التى كتبتها قصة "نخلة على الجدول" فيها هذا الإحساس بالحنين إلى أهلي فى السودان. ثم كتبت بعض القصص حتى لم أعبأ بنشرها، وفى أواخر الخمسينات كتبت قصة "دومة ود حامد" ونشرت القصة أظن عام 1960 فى مجلة "أصوات" التى كان يصدرها فى لندن باللغة العربية صديق انجليزي أصبح فيما بعد المترجم لكل أعمالي هو المستشرق المعروف "جونز ديفز". ترجم ديفز هذه القصة إلى الانجليزية وأرسلها إلى مجلة أدبية كبيرة تصدر فى لندن ولدهشته الشديدة قبلوها فورا ونشروها. بعد ذلك بقليل ذهبت إلى أوكسفورد لزيارة أصدقائي وقابلت بعض الأساتذة الانجليز فقال لى أحدهم: قصتك أحلى من قصة نورمان ميلر التى نشرت فى العدد نفسه. وأن ميلر يمكنه أن يتعلم منك!. قلت: سبحان الله! نورمان ميلر كان آنذاك كاتبا كبيرا بينما لا يعرفني أحد! قلت لنفسي "والله يبدو أننى استطيع أن أصبح كاتبا!". وصارت الأمور بعد ذلك كما تعرف، وصدرت روايتي المعروفة "موسم الهجرة للشمال" وقد صدرت للمرة الأولى فى مجلة "حوار" البيروتية عام 1966 وكان يشرف على تحريرها توفيق صايغ، وقد ساعدنى على نشر "عرس الزين" أيضا. ثم نشرت "دومة ود حامد" وثلاثية "بندر شاه" التى صدر منها قسمان: "ضوء البيت" و"مريود" ومازلت أحاول منذ عشر سنوات إنهاء الجزء الثالث ولكن شغلتنى عنه مشاغل الدنيا!
(5) يقال أن الغربة عموما لها أثر فى الأدب، وأظن لو لم اغترب وأعيش فى انجلترا ما كتبت "موسم الهجرة للشمال". وهذه الرواية هى رواية غربة ومنفى. منفى بالمعنى العام لأنني ذهبت باختياري ولكن فيها أحاسيس حادة وإحساس بأن الشخصية الرئيسية فى الرواية أصبح فى اللامكان…عموما لا أريد أن استفيض فى شرح ما قصدت فهذا شغل الأساتذة الكبار وما أنا إلا كاتب مسكين!
(6) تأثري بالأدب الانجليزي لا ينكر خصوصا الرواية الانجليزية فى القرن 19 جورج اليوت ورتشاردسون. وبالطبع كان لش...كسبير تأثير كبير خاصة مسرحيتي "الملك لير" و"ريتشارد الثالث" وكذلك تأثرت "بقلب الظلام" لكونراد هذا إلى جانب كتاب مثل ديكنز وفولكنز. وكانت استفادتي أكثر فى مجال التكنيك.
(7) لو أعدت كتابة "موسم الهجرة للشمال" فسأغير الكثير، فالبيئة التى عاش فيها هذا الشخص وهى بريطانيا قد تغيرت بشكل كبير فأحداث الرواية تدور فى فترة ما بين الحربين العالميتين لذا نجده يردد عبارة "جرثومة العنف الأوروبي الأكبر" الآن الوضع مختلف. فهو لعب من الناحية السياسية على فكرة أنه ينتمى إلى أمة مستعمرة الآن كل الدول الأفريقية استقلت. الآن توجد مشاكل من نوع آخر. كذلك التطور الكبير فى وسائل الاتصال سيضعف ولا شك من اعتماد الرواية القوى على فكرة السحر أو الأكزوتيزم فمثل هذه الأوهام لا تباع الآن!
(8) قد تفاجأ عندما اذكر لك أن الأسماء التى تتكرر فى رواياتى هى هى نفس الأسماء، لأنني ومنذ أن بدأت الكتابة اكتب عن نفس القرية "قرية ود حامد" بنفس شخصياتها وكل شخصية من هذه الشخصيات ترمز لمجموعة من الأخلاقيات. لقد تغيرت ود حامد الآن كثيرا. حتى الراوى فى "موسم الهجرة للشمال" حينما عاد للقرية عاد وخيال القرية القديمة فى ذهنه لكنه لم يجدها كما كانت وجدها قد تغيرت.
(9) لى مدة لم اكتب رواية لكننى لم أتوقف عن الكتابة فأنا اكتب منذ قرابة عشر سنوات صفحة فى مجلة عربية تصدر فى لندن بعنوان مجلة "المجلة". وفى هذه الصفحة مارست نوعا من الصحافة الأدبية. كتبت عن رحلاتى فى العالم واستغليت هذا الشكل للكتابة عن ثقافات وشعوب مختلفة مثل شعوب استراليا الأصلية وهى شعوب لها ثقافتها الجميلة جدا. كتبت عدة مقالات عن شاعر أموي لم يدرس بعد بصورة جيدة وهو "ذو الرمة" وهو شاعر مهم جدا لما لديه من ملامح كثيرة للمعاصرة مثل حبه للبيئة والطبيعة والحيوان ، وكتبت عن أبى العلاء والمتنبى وعن الشاعر السودانى الكبير "الحردلو" من أواخر القرن الماضى. كما ترجمت جزءا كبيرا من كتاب المؤرخ الفرنسى فرناند روديل "هوية فرنسا". وأعتقد أن فى هذا إبداع مثل غيره. فالطاقة الإبداعية يمكن توجيهها فى مسارب مختلفة. ولكنى لسبب ما توقفت قليلا عن كتابة الرواية لأن المشروع الروائى الذى أعمل فيه (الجزء الثالث من بندر شاه) تعقد جدا والواقع كذلك. وأنا عموما لا أؤمن بالكثرة. صحيح أن الغزارة فى الإنتاج مع الجودة شئ جميل لكنه لا يتوفر. ثم إننى أقرأ كثيرا فى التاريخ والسير وعلم الاجتماع وبقية العلوم الحديثة التى لها صلة بالأدب... لو تمكنت فيما بقى لى من كتابة ثلاث روايات لكفانى.

الأربعاء، 27 يناير 2016

كتابة الفرنسية بدون معلم

أحيانا عندما لا أعرف كيفية كتابة كلمة فرنسية فإنني أكتبها مثل الألمانية! ولكن في الألمانية أنت تكتب ما تسمع أما في الفرنسية فتكتب ضعف ما تسمع! المشكلة أن ابني لم يعد يطيق صبرا، وأخيرا تملكته الشجاعة وصارحني بالأمر: "يا بابا انت بتكتب الفرنسية غلط غلط غلط. فين الأكسنت؟ وفين السيركونفليكس؟ وفين حتى النقاط؟". فأقول له مداريا خجلي "يا ابني أنا أنسى النقاط حتى في العربية". وتفاكهت مرة وقلت "أن الأسهل لي أن يغير الفرنسيون طريقة كتابتهم للفرنسية! يعملوا مثلا... ثورة في كيفية كتابة الفرنسية. فالحين بس كل شوية يقترحوا علينا تغير الحروف العربية طيب يغيروا بس السيركونفليكس وبعدين يقترحوا زي ما يحبوا!". وقلت مرة "أنا كنت أظن الفرنسيين عباقرة في الكتابة الفرنسية، وعندما اهتممت بالأمر تبين لي أن نسبة كبيرة بينهم لا تجيد كتابة الخط الفرنسي! مساكين زينا يعني بس بيكابروا". ويظل ابني ينظر لي ويبتسم وزوجتى تنظر لي وتبتسم وتقترح أن آتي بمدرس خصوصي للخط وأنا أرفض لأنني لا أحتاج للكتابة بالفرنسية. وفي النهاية أخذتني الحماسة وعاهدت الجميع على الاهتمام بالأمر وذهبت لأكبر مكتبة لغات في بروكسل واشتريت كتابا ضخما بعنوان "الكتابة خطوة خطوة".

الثلاثاء، 26 يناير 2016

نايم على وداني

كان أبي معجبا بعكوفي الدائم على المذاكرة، ولم يكن المسكين يعرف أنني أضع المجلات في كتب المدرسة وأقرأها طوال الوقت. وفي أحد الأيام صحبني معه لعيادة أحد الأطباء الجدد في بلدتي. وعندما دخل للكشف اكتشفت أن الطبيب لديه أعدادا من مجلة تسمى "الدعوة" وبداخل كل عدد مجلة أخرى للأطفال، فأخذت عددا رسم عليه رجل ضخم له لحية أضخم من لحية أجعص شيخ في البلد، وكان مكتوبا إلى جواره "كارل ماركس عدو الإسلام". فقلت لنفسي "يا خبر إزاي شيخ بلحية ضخمة كده ويبقى عدو للإسلام". وأخذت أقرأ لأتبين عداوته للإسلام، ولكن الكشف خلص وخرج أبي مع الطبيب الذي رآني منهمكا في القراءة فتبسم وشجعني على القراءة. فقلت لنفسي "أكيد طالما طبيب وبيشجعني يبقى زي الدكتورة حكمت وهيعطيني المجلة" فأمسكت المجلة وقبل أن أفتح فمي بكلمة أخذها مني ووضعها في مكانها مع الأعداد الأخرى ودخل حجرة الكشف. نظرت لأبي وقلت "خسارة كنت عاوز أعرف الرجل عدو الإسلام ازاي" فجذبني من يدي وقال "يكفيك المجلات التي تشتريها كل أسبوع وبتستغفلني وتحطها في وسط الكتب وتقرأها". فقلت "الله انت عارف؟" فقال "امال فكرني نايم على وداني".

شيوخ المفرمة

عندما زارنا نصر أبوزيد في جامعة بامبيرج (سنة 2000) كان ذلك دورة لطلبة الدكتوراة لمدة شهر مقسمة على مرتين وموضوعها "التأويل في التراث الإسلامي" ربما سأكتب عن تلك الدورة في يوم ما بتوسع. المهم كنت أعرف د. نصر من قبل وكان يعرفني لكن معرفة سطحية. المهم تقاربنا منذ أول يوم رغم أنه في كرسي الأستاذية وأنا في كرسي طالب الدكتوراة، وكنت أنا رفيقه طوال الفترة منذ الصباح وحتى موعد النوم!. بعد ...المرة الأولى عندما عاد إلى لايدن أرسل لي طردا ضخما فيه كل كتبه موقعة ومهداة. وبعد انتهاء دراستي في ألمانيا كنت أرسل كل كتبي بالبريد على مصر. كل الكتب مرت إلا طردين. طرد به كتب ألمانية ببعضها صور متخيلة للنبي محمد (ص)، والطرد الثاني كما توقعت كان به كتب نصر حامد أبوزيد. سألت في بريد رمسيس ووجدت الكتب، ولكن قيل لي أن الأزهر هو الذي صادر الكتب ولا يمكن إعطائي الكتب إلا من هناك. ولابد وأن تذهب بالكتب مع موظف من عندنا إلى مكتب رقابة الأزهر بمدينة نصر،. ذهبت مع الموظف إلى شارع يوسف عباس وقابلت شيوخ الرقابة. كانوا ثلاثة في المكتب يقرأون الصحف ويحلون الكلمات المتقاطعة ومع ذلك قالوا بأن ليس لديهم وقت ولا بد من العودة في يوم آخر. كاد موظف البريد أن يشخر للشيوخ، وقال: أنا اللي معنديش وقت، ولابد من مراجعة الكتب الأن وإعطاء الدكتور ما لا يهمكم. فوجئوا بلقب دكتور فاهتموا فتحوا الطردين، وبدأوا تقسيم الكتب بطريقة فكاهية فقال كبيرهم: "هذا لك وهذا للمفرمة.. هذا لك وهذا للمفرمة". المهم صنع كومتين من الكتب. حتى وصلنا إلى كتب د. أبوزيد فقال: "هذه بالطبع للمفرمة". طبعا هذه المرة نسيت الدكترة وكدت أنا أن أشخر للشيخ وقلت له: "لماذا؟ دا لو حضرتك رحت لحد مكتبة مدبولي ستجدها في الفاترينة وعلى الرصيف عادي!". فقال: مش مشكلتي الكتب دي دي في "البلاك - ليست" بتاع الأزهر. كنت أسمع لأول مرة إن الأزهر - مثل الفاتيكان - لديه (بلاك – ليست). ثم أعطاني هذا المثل المبهر: "مش حضرتك الحشيش ممنوع في البلد. ممنوع ولا مش ممنوع؟ قلت: ممنوع. قال: لكنه مالي البلد، وإذا بوليس المكافحة وجد حد معاه حشيش بيصادرها ولا بيقول دي ملية البلد وعند مدبولي. هه جوابني يا دكتور". طبعا تجاهلت تشبيه كتب د. أبوزيد بالحشيش وقلت: بيصادرها طبعا. قال: "أهو أنا زي بوليس المكافحة لازم أصادرها. ولا هي المفرمة دي مش عايزة تاكل برضه". وضحكنا جميعا وقلت له: "الكتب دي عليها إهداءات وأنا عاوزها فهل من الممكن اروح لحد مكتبة مدبولي اشتري لحضراتك نسخ أخرى للمفرمة وتديني دي". أصغر الشيوخ كان متعاطف معي، ولكنه لم يتكلم منذ البداية، وهنا لا أدري لماذا أسرع بالموافقة فكبس الشيخ الأول فقال: "لو جبتهم النهاردة ماشي". وهذا ما حدث.
 
 

الاثنين، 25 يناير 2016

أول مرة قراءة

ما زلت أذكر بوضوح أول مرة عرفت فيها القراءة. كنت صبياً مريضاً ومحجوزاً في مستشفى حكومي كرهته من أول نظرة وصممت على عدم البقاء فيه. آنذاك رأتني طبيبة شابة وفهمت أنني أشعر بغربة وخوف فبدأت تتألفني بحنو غير مألوف بالنسبة للأطباء. وعرفت أن لديها ابنا صغيرا في مثل سني. وفي اليوم التالي جاءتني بمجلات ابنها القديمة: تان تان وسوبر ميكي وكابتن سمير ومجلات أخرى لا أتذكرها، وقالت لي "هذه ستسليك ولن تشعر بغربة". وما زلت أذكر وقع الصدمة التي شعرت بها عندما فهمت ما جائتني به. فقد كانت هذه أول مرة أعرف فيها أنه يوجد شيء يقرأ عدا القرآن وكتب المدرسة، ولم يكن يوجد في بيتنا غير هذا. المهم أنني دخلت سريعاً في أول مرحلة من مراحل الإدمان، فكنت أبحث عن هذه الطبيبة في المستشفى كله، وعندما أجدها أسألها إن كانت قد أحضرت مجلات أخرى لي. فتتعجب وتعدني وفي اليوم التالي تفي بما وعدت وتأتيني بأخرى. وظللت على هذا الحال لمدة شهر تقريباً. وعندما عدت لبيتي عدت بحمل بعير صغير من مجلات الأطفال القديمة. أي أنني ذهبت لأستشفى من مرض ما فعدت بمرض أفدح هو القراءة! ورغم أنني لم أر هذه الطبيبة بعد ذلك أبدا إلا أنها ظلت تخطر في بالي لسنوات طويلة، بل ما زلت أذكر حتى الآن أنها كانت تدعى (حكمت).
 

السبت، 23 يناير 2016

المصوراتي البلجيكي

ذهبت الآن لعمل صور جواز سفر، فاخترت محل تصوير شكله متواضع حتى لا يكون غاليا. يعمل بالمحل شابين بلجيكيين في الثلاثين تقريباً. عندما جاء دوري سألني أحدهما "لأي دولة؟" فقلت "مصر". وبعد أن صور قال لي "أربع دقائق لا غير" فانتظرت وأخذت أراقبهما. يبدو أنهما في الأربعين لا الثلاثين، وهما يعملان بخبرة واحتراف والتناغم بينهما كبير. المهم خلصت الصور فقصها الثاني وقال لي "عشرة يورو". دفعت ورأيت الصور فقلت "أظن الصور أصغر مما نحتاجه في مصر". فقال الأول "لا يمكن" فأخرجت ...الجواز القديم وقارنت وهو ينظر. الصورة في الجواز تبدو أكبر قليلاً من كل ناحية. مباشرة ذهب الرجل لأحد الأرفف وأخرج أكلاسيرا ضخما مكتوب عليه "أفريقيا" وفتحه فإذا به صور بالحجم الطبيعي لكل الجوازات التي تصدر في قارة أفريقيا. وبينما كان يقلب عن مصر نظرت للرف فوجدت أكلاسير لكل قارة. ووجد الرجل اسم مصر وصورة للجواز المصري الجديد وأوصافه بالفرنسية إلى جانبه ومكتوب فيها ثلاث صور مربعة بخلفية بيضاء مثل الجواز الأمريكي. وقال لي "هي. هي.. ولكن.." وجلس أمام الكمبيوتر وبحث في صفحة خاصة بكل جوازات العالم وقال "ربما جد جديد لكن لا أجد شيئاً". فقلت "والله جميل ما تفعل. ولكن لا تضع وقت حضرتك فأنا سأدفع للصور الجديدة". فقال "ولكنني يجب أن أعرف إذا كان هناك تغيير". قلت "جميل وسكت". فقال "جميل. سأطبع لك صورا أكبر قليلا ولكن أربعة لا ستة". وبعد أربع دقائق أخرى جاءت الصور وقصها وقال لي "خمسة يورو. لأن هذه خدمة إضافية".

الثلاثاء، 19 يناير 2016

الدفاية عند قدميّ

درجة الحرارة في بروكسل الليلة 15 درجة تحت الصفر. ويوجد احتمال بأن الكهرباء لن تتحمل الضغوط عليها. فأنا عملت زي الناس اللي بتخزن البضائع وقت الأزمات وفتحت دفايات السكن كلها حتى أخزن شوية دفا، ومع ذلك لا أشعر بأي دفء لشدة البرودة في الخارج. وتذكرت أن لدي في البدروم دفاية اشتريتها للطوارئ فجئت بها ووضعتها بالقرب من مكتبي. وعندما وصل الهواء الساخن إلى قدميّ شعرت بأسى ونوستالجيا قوية وتذكرت أستاذي الجليل والعتيق جداً د. على الجندي رحمة الله عليه، وكان أحد الشخصيا...ت الأسطورية في دار العلوم. وآخر عهدي به عندما كان يدرس لنا في التمهيدي مناهج البحث في الشعر الجاهلي الذي كان قد درّسه لنا في السنة الأولى من الكلية من خلال كتابه الشهير "تاريخ الأدب الجاهلي" (1966) وكنا ندرس الطبعة الضخمة التي أصدرتها دار المعارف سنة 1985. كالعادة لم نعرف قيمة الرجل إلا بعد فوات الأوان. لكن ما شغلنا آنذاك أن الرجل كان "كراكتر" مغرى جدا بالنسبة لنا كطلاب صغار. فالرجل كان أحد بقايا دار العلوم القديمة حين كانت في مبناها القديم في حي المبتديان (مكانه الآن حديقة دار العلوم). وحين نقلت الكلية سنة 1980 إلى حرم جامعة القاهرة انتقل هو معها، وظل بها حتى خرج على المعاش ثم عاد إليها أو استمر بها كأستاذ متفرغ. وكانت له تقاليد راسخة في المجئ والإنصراف. فكان يصل الكلية بسيارة "كاديلاك" موديل قديم جدا ربما يعود للخمسينيات. فتقف السيارة أمام سلم الكلية بالضبط، وينزل هو منها بصعوبة ولكن دون مساعدة. ويقف عند أول درجات سلم الكلية فيتوقف إيقاع الكون للحظات يهش فيها كل من هو أمامه فنختفي جميعا، حتى حرس الكلية لا يبقى منهم إلا حارس أسمر وقديم جدا. ويصعد هو السلم بمفرده لا يريد مساعدة أيضاً، وإذا ما وصل إلى آخر درجات السلم يعطيه الحارس العجوز التحية الواجبة. والغريب أنه يرد عليه تحيته، وربما كان هو الوحيد الذي يرد عليه في الكلية كلها. وكنا ننتظر محاضراته في الشعر الجاهلي بشوق وترقب فإذا غاب، ونادرا ما كان يفعل، تجدنا نتندر ونقول "الدكتور علي ركب الناقة وشرخ". وكانت محاضراته مقسمة بالقسط بين موضوعها وبين الضجر من الحياة والتبكيت الراقي لكل الأجيال التي مرت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين حتى جيلنا، وهو في رأيه بالطبع أعظمها انحطاطا. وبعد أن اجتزنا المراحل كلها ووصلنا للتمهيدي وجدناه ينتظرنا، ضمن المقرر. وعندما دخلنا مكتبه للمرة الأولى، أظن في ديسمبر سنة 1988، وجدناه قد بلغ من العمر عتيا ولكن عقله كان يقظاً كما عهدناه دائماً. كنا تقريبا عشرين طالباً فنظر إلينا وقال "إن شاء الله كلكم راسبون دون مقاطعة". ضحكنا للصدمة والمفاجأة ثم كانت بقية الدرس عن "إلا إذا". وأثناء الحصة شعرنا بهواء ساخن يأتي من تحت مكتبه فنظرنا فإذا هي دفاية خاصة لتدفئة ساقيه. كالعادة ضحكنا وتندرنا "الرجل رجليه ملخلخين". بالطبع آنذاك لم أكن أتصور أن تدور الأيام ويأتي الوقت الذي احتاج فيه، وأنا في نصف عمره آنذاك، لدفاية تحت مكتبي.
#‏ليه_يا_بروكسل_مسبتناش_أبريا

الأحد، 17 يناير 2016

الصراع على بروكسل


عندما كنت أتعلم الفرنسية في بروكسل كنت أدفع 230 يورو للدورة الواحدة وأشتري الكتب على حسابي. والآن اتعلم الهولندية (الفلامنكية) وأدفع 30 يورو فقط للدورة والكتب معا. وتوجد مؤسسة فلامنكية اسمها (bon) تقدم ضمن أشياء أخرى دورات مجانية لتعلم القوانين البلجيكية بأكثر من عشر لغات منها العربية. وقد ظللت شهرا كاملا (أغسطس) أدرس القوانين البلجيكية مجاناً، ووزعوا علينا ترجمات عربية لهذه القوانين، ولم أدفع سنتا واحدا، بل كانوا يعطوننا في فترة الراحة مشروبات ساخنة مجانية!... وللعلم كانت هذه الدورة أهم ما درست في بلجيكا حتى الآن. هذا ما يفعله الفلامنك بينما لا يفعل الوالون (الفرانكفون) شيئا من هذا، بل يقولون علنا أنه أمر مكلف وأنهم فقراء مقارنة بالفلامنك! المهم أنت كأجنبي ترى بوضوح أن هناك صراعا لغويا وثقافيا ظاهرا للعيان في بلجيكا كلها، خاصة في مجال دمج الأجانب في (المجتمعات) البلجيكية. هذا الصراع اللغوي الثقافي - بين الفلامنك والوالون الفرانكفون - هو فيما يخص بروكسل صراع جغرافي أيضا. فبروكسل من الناحية الجغرافية أرض فلامنكية ولكنها تفرنست في غفلة من الفلامنكيين. وحينما بدأت الصحوة اللغوية الفلامنكية في سبعينيات القرن الماضي كان وقت الإنقاذ قد ولي. حاليا يحاول الفلامنكيون العودة وبقوة لبروكسل. يشترون كل ما هو متاح ويحولونه لمؤسسات لغوية وثقافية فلامنكية، ويقدمون الإغراءات المتعددة لإقناع الناس بتعلم الهولندية بتكاليف كما سبق شبه معدومة. مشكلة الفلمنكيين أنهم لا ينجحون، والنسبة اللغوية في بروكسل تبقى كما هي وتظهر أن استخدام الفرنسية في بروكسل بنسبة 90%. بل إن متكلمي العربية قد يكونوا أكثر من متكلمي الفلامنكية! حتى موظفو المؤسسات الثقافية الفلامنكية يقولون فيما بينهم أن لا أمل، وأن بروكسل فرنسية اللغة مئة بالمئة. المشكلة هنا هو البعد السياسي للقضية فماذا ينبغي العمل مع بروكسل؟ هذا هو جوهر الصراع على بروكسل.

السبت، 16 يناير 2016

زيارة محمود محمد شاكر!

د. عبدالسلام حيدر
(1)
كان هذا في سنة 1988. كنت قد انتهيت من الليسانس وبدأت السنة التمهيدية للماجستير وعزمت على أن يكون موضوع بحثي في هذه السنة عن الأستاذ شاكر. وعزمت على أن أقرأه أولا واكتب مسودة البحث ثم ألتقيه بأي طريقة. وبالفعل وافق الطاهر مكي على الموضوع. وبعد أن أنهيت المسودة الأولى قلت لنفسي هذا هو الوقت المناسب. وحصلت على تليفون الأستاذ شاكر واتصلت مرات لم أعد أذكر عددها ولكن دون رد. وكنت قد تخلفت عن الجيش سنة لأجل التمهيدي وكنت أعرف أنهم سيعطونني سنة زيادة عندما أذهب للجيش وهذا ما كان بالفعل. المهم ليس لدي وقت يسمح بالانتظار، وعندها قلت لأذهب دون موعد وليكن ما يكون. وبعد الغذاء ذهبت لمترو النزهة وسألت الركاب عن شارع حسين المرصفي، وصعدت سلم العمارة رقم 3 حتى يافطة مسكنه، وظللت واقفا أؤنب نفسي حتى خفت أن يراني أحد ويظنني لصاً. وبيد ترتعش وعين زائغة ضربت الجرس. ففتحت الباب امرأة كبيرة السن لها هيبة كبيرة فقلت لها "إنني من كلية دار العلوم وآسف أنني جئت من غير موعد، وأطمع في لقاء الأستاذ شاكر". فسألتني "يعني انت تبع مين؟" فقلت "أنا مش تبع حد أنا فقط أكتب دراسة عن الأستاذ شاكر واتصلت مرارا و.." فقالت "انتظر قليلا" ودخلت ثم عادت وسمحت بدخولي. كنت آنذاك أقول لنفسي "لن تفعل هذا مرة أخرى في حياتك وطظ في كل الرسائل والدراسات". وبالطبع عرفت الأستاذ شاكر مباشرة وكان قد انتهى من طعامه فمد يده يسلم عليّ ويسألني إن كنت قد تغديت. فهززت رأسي بنعم ثم تركني ليغسل يده وظللت واقفا أنظر من مكاني للكتب التي تشغل كل فراغات الشقة البادية لعيني، كأنك في مكتبة مؤسسة أو دولة، أرفف الكتب في سطور بين كل سطر وآخر مسافة لا تزيد عن متر واحد، والكتب من الأرض للسقف. شيء غريب ومهول فعلاً. حتى إذا عاد قال لي اجلس فجلست وبدأت استعيد توازني. وسألني عن اسمي ومن أين أنا. ثم وضع رجلا على الأخرى وأشعل سيجارة وسألني "ماذا تشرب شاي أم قهوة؟" فقلت "لا داعي أنا قادم ومعي قائمة بالأسئلة التي تحيرني ويكفيني إجابتها". فقال "يا أم فهر. ماذا ستفعلي؟ شاي. نعم. وأنا أريد قهوة". ثم نظر إليّ وقال "في أي فرقة؟" قلت "في تمهيدي ماجستير إن شاء الله". فقال "هنا لا يقال إن شاء الله. (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله). و"غدا" هنا مستقبل. أما "في التمهيدي" فحال". فقلت لنفسي يبدو أن الرجل ينتقم منك فلتتماسك قليلا. وقلت "جميل أن نهتدي بحضرتك كما اهتدينا بكتبك". فقال "إن كتبي لا تهدي فقط ولكنها تضل أيضاً، والأجدى لك وأنت في البداية أن تقرأ للجميع واستعن بفطرتك لتعرف الطيب من الخبيث". ثم نظر إليّ وقال "اوعى تكون منتمي لأي جماعة من النصابين وأولهم الإخوان". بالطبع كنت أعرف أنه يعاديهم فقلت "لا على الإطلاق. فهذا لا يناسبني". ثم قلت "أنا أعرف من كتب حضرتك أنك تعاديهم فهل هذا لسبب شخصي أم فكري أم ماذا؟" ولم يكن هذا بين أسئلتي ولكنه قال "إنهم مدعوون للنبوة. هذه نبوة مقنعة" قلت "هل تقرأ لهم؟ لمنافسك القديم سيد قطب أو أخيه محمد قطب؟" فقال "لا أعرف كتاباتهم ولا أقرأ أي شيء لهما لأنهما من الإخوان". قلت "وما هو الطريق الأمثل في نظركم؟" قال "أن تكون مسلما وحسب". فسكت ثم نظرت في أسئلتي واحترت بأيها أبدأ.
(2)
فقلت "دراستي بعنوان (منهج التذوق عند محمود محمد شاكر) وكنت أريد أن أسأل بداية عن منهجك هذا ما هو؟". فقال "هذا كلام طويل". قلت "توصيف حضرتك للمنهج بشطريه "المادة والتطبيق" جميل ومفهوم، ولكن المشكلة أن شطر التطبيق قد يستهلك العمر" كان يهز رأسه بالموافقة فقلت "فهل هناك من كتب عنه أو طبقه أو شرحه أقصد من تلاميذ حضرتك؟". فقال "كلامي هو ما أكتبه ولا يشرحه أحد". قلت "ولكن "القوس العذراء" شُرحت؟" فقال "نعم. محمد أبو موسى من أحسن أساتذة البلاغة عندنا، من أكثرهم فهما للبلاغة، وشرحه للقوس العذراء جيد.. القراءة تكون بالعين والمخ بداية ولكن لا بد وأن تكون شاملة! اقرأ كل شيء. اقرأ لغتك. تراث أجدادك. كل الشعر. من أول الجاهلي إلى الآن.. اقرأ كل هذا وستفهم المنهج وتعرف كيف تطبقه".
قلت "أعلم أن حضرتك كنت تشرح الشعر الجاهلي لتلاميذك". قال "كانت فترة وانتهت". قلت "ألا نجد هذه الشروح مطبوعة؟" قال "لم أطبع شيئا لأنني لم أكن أدونها. كنا نقرأ سويا ونرتجل الشرح.. بعضهم كان يكتب". قلت "وكيف كنتم تقرأون؟" قال "كما قلت. عليك أن تتعرف على تراث أجدادك وعلى أساليبهم الأدبية. كيف كانوا يكتبون في كل فن. كل ما كتبوه له جانب أدبي، ويمكن أن تقول أسلوب الفلسفة الأدبي. أسلوب الفقه الأدبي. أسلوب التاريخ الأدبي.. الخ".
ثم انتقلنا للقرآن فقلت "مقدمة حضرتك لترجمة كتاب (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي توحي بأن حضرتك ستقدم تفسيرا جديدا للإعجاز". فقال "ليس تفسيرا جديدا ولكني فقط أريد أن أوضح بعض ما وقع فيه القدماء أو تغافلوه. القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثله. لماذا؟ هذا ما أردت توضيحه. وأنا حاليا أكتب كتابا يسمى "مداخل الإعجاز" كنت قد طبعت بعضه ثم توقفت.. أما مالك بن نبي فأخ طيب وله حسنات كثيرة وبعض السقطات. الرجل بلده كان مستعمر ولغته وثقافته فرنسية. وقد درس في فرنسا وأخذ عن المستشرقين".
ثم انتقلت لكتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" وما كتب فيه عن منهج التذوق وقلت أنه "من الجيد أنه طبع في دار الهلال، إذ لو طبع في أي دار نشر خاصة لارتفع ثمنه جدا". فقال "كلهم نصابين". قلت "ولكن لو لم تطبع هذه الطبعة الرخيصة ما كنا نجدها إلا في صدر مجلد "المتنبي" وهو غال جدا". قال "نعم غالي ولكن من أين نأكل عيش؟! مصطفى نبيل اتصل بي وطلب ذلك ووافقت وأنا غير مقتنع وما زلت". قلت "من الواضح أن الرسالة تقف عند مرحلة معينة. أليس هناك تكملة لها؟ لمعرفة رؤيتك للوضع الآن؟". قال "أنا تحدثت عن البدايات. ثم انني تحدثت في "أباطيل وأسمار" عن بعض هذه الأمور، وكذلك في مقالي "فساد حياتنا الثقافية". فقلت "في هذا الكتاب رأي لحضرتك يستغربه كثيرون حول بداية ما يسمى بالنهضة الحديثة". فقال "نعم نهضتنا الحديثة بدأت في عصر الجبرتي الكبير، وكان عالما ويأتيه الأوربيون ليتعلموا على يديه ثم يعودوا لبلادهم". قلت ولكن البعض يرى أن حملة نابليون كانت بمثابة الصدمة التي استيقظنا بعدها". فسخر من هذا الكلام وقال "بل لقد جاءت الحملة لقتل ووئد النهضة. ثم كيف نعتبر احتلالنا بداية لنهضة. إنها جاءت لقتل النهضة الوليدة". قلت "معنى هذا أنه كان يوجد جواسيس؟" قال "لا. ولكن مستشرقين رأوا بشائر النهضة الوليدة ومن ثم أسرعت الحملة لقتلها. ثم جاءوا بتاجر الدخان محمد علي ووضعوه على كرسي الحكم حيث كان ينفذ رغباتهم. ومن ثم بدأت النهضة الثانية. نهضة فرنسية. لم تكن نهضتنا. وكان من روادها رفاعة الطهطاوي ومن سار سيرته. ثم بدأ التخلف. أمة سبقت وأمة تخلفت".
سكت قليلا ثم عدت لأسئلتي وقلت "في بداية كتاب (أباطيل وأسمار) بعض الأشياء الغامضة عليّ، مثلا تقول "ثم كان ما كان.." وتسكت فلا أفهم. قال "ثم كان أن قبض عبدالناصر عليّ. فأنا ضده، وقلت كلاما عنه فقبض عليّ". قلت ولم يكن بين أسئلتي "إذن أنت تشترك مع الإخوان في عدائه". فقال "أنا ضد الاثنين. أنا اختلفت مع عبدالناصر في أشياء كثيرة والإخوان اختلفوا معه على الحكم. لا أدري لما فعلوا هذا. هل لأنفسهم أم لقوى خارجية؟ لا أعلم". قلت "هل أدى كل هذا لابتعادك عن المشاركة في الحياة الثقافية؟" قال "أنا لا أرى حياة ثقافية حتى أكون مبتعدا عنها".
وأتذكر أيضاً أننا تكلمنا عن فن الرواية وهل له أصول عربية. فقال "عندنا قصص قديم، لكن الرواية الفنية شيء آخر ظهر حديثاً. قد يكون الغرب تأثر في مرحلة ما بقصصنا لكن لم ينقل عنا حرفيا. لا توجد أمة تنقل آداب أمة أخرى وتحتذيها إلا في فترات الضعف والضياع". 
(3)
عندما كنا نتحدث دق جرس الباب فقام الأستاذ شاكر وفتح الباب بنفسه فدخل رجل ضخم أبيض الوجه يرتدي بدلة كاملة وله سكسوكة صغيرة. فأشار الأستاذ شاكر إليّ وقال "طالب من دار العلوم". وأشار إلى الوافد الجديد وقال "الأستاذ المدني". ثم وجه كلامه للأستاذ المدني وقال "فهر مريض ونريد له دكتور. تعب بسيط. ماذا تشرب؟" فجاءت الحاجة أم فهر فسلم عليها وطلب شاي سكر زيادة. ثم تحول إليه الأستاذ شاكر وقال "اتصل بي (فلان) وقال أن العراقيين طلبوا 150 نسخة من "المتنبي" فلم يجدوا إلا 118 نسخة". ففهمت أن الرجل هو صاحب مطبعة المدني وخفت ألا انتهي من أسئلتي وكان لم يبق إلا ثلثها.
ودق جرس الباب مرة أخرى فنظر إليّ الأستاذ شاكر، وانتظرت أن يقول شيئا فأشار بيده للباب وقال لي آمراً "افتح الباب!". فابتسمت وقمت وأنا أقول لنفسي "دلع علماء صحيح. والله لو ابنه وهو في سني بالضبط لما قال له هذا". وعندما فتحت وجدت أمامي فتاة ترتدي جيبة طويلة وبلوزة واسعة وشعرها مسدل على كتفيها، كانت جميلة جدا وغاضبة جدا. دخلت مباشرة ولم تعرني أي انتباه كأنني لوح خشب مفتخر بجانب الباب. وسمعت الأستاذ شاكر يسألها "ماذا فعلتي يا زلفى؟". فمضت في طريقها وهي تغمغم بكلمة "بعدين". طبعا لا تريد الحديث في وجودنا. وعندها حق. وظني أن سكن الأستاذ شاكر كان يبدو مثل كعبة مصغرة يأتيها الحجيج من كافة الأرجاء فمن الطبيعي ألا تجد أسرته حريتها الكاملة رغم أنها في بيتها. طبعاً المفروض أشعر بالكسوف وأنا أقول هذا.
وعندما جلست كان الأستاذ المدني يشرب الشاي ويقول "ولكن ما فعله (فلان) ليس طيباً. لم يكن يصح هذا". فقال الأستاذ شاكر "الحمد لله أن عرفت لكي أكشفك. وأكشف النصب بتاعكم". فقال المدني "إننا لا ننصب. ثم والله حضرتك حاجة خاصة والله". فقال الأستاذ شاكر "لماذا تحلف؟! ثم أنا لا أريد أن أكون حاجة خاصة. أريد أن تكون دقيقاً في عملك. عندما لا يوجد إلا مائتي نسخة تبدأ في الطبع والتجليد. فقد يأتي من يطلب ثلاثمائة". فأقسم المدني مرة أخرى "والله كل شيء جاهز. الجلد والخيط. أسبوع واحد وسوف تكون الكمية متوفرة".
حاولت العودة لأسئلتي لكن الموقف كان قد باخ، ورغم ذلك قلت "هل يمكنني أن أسأل سؤالا أخيرا؟" نظر إليّ فقلت "إذا كان ينبغي قراءة تراث الأجداد من أول الجاهلي إلى الآن، فهل تقصد أيضا هذا الترتيب؟" هز رأسه بأن نعم فقلت "بعض الكتاب ينصحون بقراءة المعاصرين أولاً، لأن أسلوبهم أسهل ثم ينتقلون للتراث". فقال متهكما "كي يضلوا أولاً ثم يقرأون التراث بضلالتهم". فقلت "لقد قرأت هذا عند زكي مبارك في "الحديث ذو شجون". فنظر إلى الأستاذ المدني وقال "ها" وابتسم ابتسامة غريبة فهمت منها استخفافه بزكي مبارك!
وبعد الإجابة الأخيرة شعرت أنه ملّ وكأنه يقول "يكفيك هذا". ولكنه نظر إليّ وقال "ألن تخبرني إلى أي جماعة تنتمي؟". فاقتديت بالأستاذ المدني وقلت "والله لا انتمي لأي جماعة. أريد أن أنتمي فقط للعلم". فنظر للأستاذ المدني وقال "نريد أن نصلي العصر؟". فعلمت أنها النهاية فقلت "أستأذن أو أصلي معكما؟" فقال الأستاذ شاكر "أوتصلي؟!" ابتسمت وقلت "نعم". فقال "وهل أنت متوضأ؟". فقمت فتوضأت في الحمام وهو المكان الوحيد الخالي من الكتب. وعندما عدت كان يتحدث مع الأستاذ المدني عن غطاء الرأس في الصلاة. وعندما همّ الأستاذ شاكر بالذهاب ليتوضأ قلت له "هل يمكن أن ألقي نظرة على المكتبة؟" فنظر إليّ برهة ثم ابتسم وقال "اوعى تسرق حاجة؟". كانت الأرفف مزدحمة بالكتب التي فاضت على المكاتب والسجاجيد. ورأيت كتبا تراثية لم أسمع بها من قبل، ورأيت على المكتب أغلب الإصدارات الشهرية الحديثة في مصر وخارجها. ورأيت أيضاً صوره مع بعض الأعلام منها صورته ويحيى حقي. وصلى الأستاذ شاكر ركعتي السنة وكذلك الأستاذ المدني الذي أقام الصلاة وأمنا الأستاذ شاكر. وبعد الصلاة استأذنت فسلم عليّ الأستاذ شاكر وهز يدي بقوة وأوصلني للباب ثم سألني "كيف عرفت عنواني؟" قلت "سيدتك تكتبه في نهاية مقدمات كتبك، وقد بحثت ووصلت وكنت أظنك تسكن "فيلا" ضخمة". فقال بأسف "فيلا؟!". ثم قال "أرجو أن تزورني مرة أخرى". قلت "هذا إذن من حضرتك؟" قال "نعم. بس يبقى اتصل أولاً بالتليفون فقد لا أكون بالبيت" وأعطاني رقم التليفون. فزاد وجع ضميري عندما اكتشفت أنه غير ما كنت أطلبه. وزاد كرمه بأن سألني إن كان يطلب لي الأسانسير فقلت "النزول أسهل" ثم نظرت إليه نظرة أخيرة، وكان ينظر لشيء في حلق الباب. ولم أره بعدها أبداً.

ملحوظة:
كنت اسجل إجاباته التي تخص بحثي في مسودة البحث مباشرة، وهذه يمكن أن تجدونها في البحث نفسه حين ينشر ولكن لا أدري متى!. أما ما زاد على ذلك فكنت أسجله في ورق مستقل، وقد ملأت أربع ورقات (فولسكاب) وهي أمامي الآن وأنا أكتب، وكل ما نطق به فيها هو كلامه حرفياً.. وبعد انتهاء اللقاء سجلت على هوامش هذه الأوراق ملاحظاتي الحياتية أيضاً.
 
 

الثلاثاء، 12 يناير 2016

قادم من حيفا

أذكر عندما جاء الدكتور حجازي لإلقاء محاضرة في كليتي الألمانية لم تلعب الكيمياء فيما بيننا. بالطبع أعرف أنه علّامة كبير في تخصصه وكتبت عن هذا مرة، لكن هكذا هي الحياة، ربما لأن سؤالي (عن الفرق بين التعريب الذي يدعو هو إليه والأسلمة التي تدعو إليها الجماعات) أزعجه، وربما لأنني أيضاً أنفر من الزهو ولا استسيغه حتى لو كان صاحبه على حق مثل الدكتور حجازي وإنجازاته بالفعل ضخمة في الترجمة والتأليف والإدارة. المهم بعد المحاضرة ذهبنا لمطعم فندق شهير بالقرب من الجامعة وج...لست بعيدا عنه وقلت لنفسي "جميل هكذا. رغم أنه حكاء عظيم وجعبته مليئة بالحكايات". وتحدثت قليلا مع السيدة التي عن يميني. ثم نظرت للرجل الأشقر عن يساري ولا أحد يتحدث معه واستغربت لأن الجميع يتجنبه. وعرفت منه أنه مستشرق وأنه حصل مؤخرا على درجة الأستاذية في اللغة العربية. ولكن كانت لكنته الألمانية غريبة وكنت اسمعها للمرة الأولى. وسألني عن بلدي فقلت "مصر" وسألته من أين هو، فتمهل للحظة ثم قال "أنا من حيفا". طبعا أنا قلبي وقف، لأن هذه كما أعرف عادة الإسرائليين عندما يتحدثون مع أي عربي اللغة يلتقونه في الغرب للمرة الأولى، فهم لا يذكرون لك على الإطلاق اسم إسرائيل، ولكن ينتسبون للمدن التي يساهمون في احتلالها، وسألني هو سؤال آخر لكني كنت في جيش من الذهول فلم أفهم ولم أُجبه وبدأت أشعر بسخونة في أذني! وفهم هو سريعاً وهم للحق أذكياء. ولو كنت أنت جالسا معنا آنذاك لفهمت معنى النفور الحق من لغة جسدينا. وبقي هو في مكانه منزوياً خائفا يتوجس، بينما انتهزت أنا أول فرصة لفراغ كرسي بجانب الدكتور حجازي فأسرعت إليه وأنا أقول لنفسي "هذا أرحم عُشرميت مرة". فوجدته يشكو من أنه ألف كتبا لماليزيا فسرقتها سلطنة بروناي وطبعتها دون أن تستأذنه فقلت له "يكفيك فخرا يا دكتور أن أغنى دولة في العالم قد سرقتك". فابتسم وقال "دي أحسن جاجة سمعتها عن هذا الموضوع". ثم قال أن هذا هو حاله دائما مع الملوك والسلاطين! وبدأ يحكي أنه قابل مرة الأسرة الملكية الإسبانية في إحدى زياراته لإسبانيا، فلم يُسمح له أن يتحدث مع الملكة صوفيا لا بالعربية ولا بالألمانية لأن ملك إسبانيا لا يعرف اللغتين، وأنه اضطر أن يختار من بين اللغات التي يعرفها لغة يعرفها ملك إسبانيا ليتحدث بها معهما.

أنا أبشالوم يا أبي


أنا لا أحب الترجمة الفورية، ومنذ البداية بعدت عنها بعدي عن حيوان أجرب. ليست مجالي ولم أدرسها ولا أحب أن أجلس كآلة بين شخصين. أنا أصلا رجل بتاع لغة عربية صادف أنه كتب الدكتوراة بالألمانية في ألمانيا. ولكني رغم ذلك أحب الترجمة كتابة لأنها تحتاج للتأنى والمراجعة ووضع هوامش، وأنا صراحة رجل أحب البطء وأنوي الكتابة في "مديح البطء".. ورغم كل ذلك اضطررت للترجمة الفورية مرتين أو ثلاثة وكان ذلك إبان معرض الكتاب سنة 2004 على ما أظن، وقد وكرهت الأمر ومن ألح به وندمت على الموافقة. وكانت أول ترجمة بين الأهرام والفيلسوف الألماني ينس زونتجن Soentgen وقد قبلت الترجمة لأنني مترجم الرجل للعربية، كتاب "فكر بنفسك". وكانت الترجمة لا بأس بها.
أما الترجمة الثانية فكانت في ندوة عن النشر بين الألمانية والعربية، وقد ذهبت للفرجة زي خلق الله لكن المترجمة جالها ظرف طارئ ومسئولة جوتة نظرت حولها فرأتني، وظلت تلح لدقائق وكنت أنا أيضاً انظر حولي باحثا عن مفر. ثم اضطررت ووافقت. وعندما جلست على المنصة بين الناشرين الألمانيين قلت لهما "كما رأيتما أنا لست مترجما فوريا ولا أريد فأرجوكما عدم الإزعاج واقبلا بما يتيسر لي من الترجمة". وبالفعل كنت اترجم الخلاصة لهما ورضيا بالأمر. وعندما بدأت الأسئلة إحدى النساء وجهت سؤالها للناشرين العرب بالعربية وعندما سمعت السؤال سكت، فنظرت إليّ وقالت "ممكن تترجمه لهما". والله كان نفسي ابتكر شخرة لم تسمع بمثلها الركبان ولكني لا أعرف، فتماسكت حين زعزعني الدهر وقلت لها "حاضر يا فندم. انت تؤمري" وملت على الألمانيين المسكينين وقلت لهما "أنها تسأل عن إمكانية ترجمة بعض الكتب للألمانية" وسكت فلم تنهزم المرأة، بل قالت لي "بالسرعة دي". فلم أرد فقذفتني بنظرة حارقة ماحقة، ولكني شعرت بسلام داخلي لم أشعر بمثله منذ فترة فابتسمت وسكت.
أما المرة الأخيرة وهي الأعجب فكانت بين أخبار اليوم والروائي الألماني اوفه تيم Uwe Timm (الصورة)، وهو لمن لا يعرف أحد أهم كتاب الألمانية المعاصرين، وكانت روايته المهمة "أخي كمثال" قد صدرت آنذاك. وكنت أنوى الحديث معه حول السماح لي بترجمتها. المهم ذهبت مع الصحفية للرجل في فندق ماريوت. وقبل الحوار تعرفنا وعرف أنها الصحفية وأنني المترجم. وعندما سمع اسمي "عبدالسلام" توقف برهة ونظر إليّ وقال "هذا هو المقابل العربي لاسم "أبشالوم" العبري. هل تعرف قصة أبشالوم التوراتي؟". قلت "والله نحن جئنا لنسأل حضرتك. وأنا دوري الترجمة. لكن منكم نستفيد". ولمن لا يعرف الكاتب الألماني عادة يكون مشبعا بالتوراة والإنجيل ولو عصرته هيخر مزامير وأسفار. زي الروائيين عندنا بالضبط لو عصرتهم هينزلوا آيات قرآنية وأحاديث نبوية وقدسية! المهم الرجل الحكاء صمم يحكي لي حكاية أبشالوم التوراتي وخيانته التي ضُربت بها الأمثال. ففهمت كأنه يقول لي بطريقة غير مباشرة "أيها المترجم أيها الخائن" وظننت أن أحدهم حكى له ما حدث في ندوة النشر. المهم شكرته على التوضيح، وألغيت خطط الترجمة، وبعد الأسئلة وقع الطلاق البائن.
 

السبت، 9 يناير 2016

الرجل البيانولا


هذا الرجل العجوز، عازف البيانولا، هو أحد الظواهر السنوية اللطيفة والطريفة في بروكسل، ووراءه سر لا أعرفه، والناس هنا تعامله بلطف كبير وكأنه ليس شحاذا.
وأهل بروكسل في رأيي لا يحبون الشحاذين، ونادرا ما يعطون أي شحاذ في الطريق خاصة في أيام الأعياد حيث تمتلأ الشوارع وبشكل غريب بهم! لكن من الأشياء الطيبة أن عمال النظافة هم الفئة الوحيدة المسموح لها هنا بأن تدور على البيوت وتلم العيدية. آه والله. ففي فترة الأعياد تجد جرس الباب الرئيسي ضرب وعمال النظافة يقولون لك "سنة سعيدة مدام. سنة سعيدة مسيو. نحن عمال النظافة". وبالطبع أن...ت تفهم البقية. وأنت أيضاً مخير ممكن تنزل تديهم حاجة أو تطنش. في عامنا هذا عندما ضربوا الجرس وكان مساء سمعت إحدى جاراتي تقول لهم "نعم أعرفكم يا سيدي. ولكن ليس هذا هو الوقت المناسب يا سيدي". فقال أحدهم "شكرا سيدتي وكل عام وأنت بخير" وانصرفوا فلم أنزل. أما في المرة الأولى لي عندما نزلت وجدت بعض الجيران أيضاً. وكان عمال النظافة ثلاثة يحملون صندوقا لجمع التبرعات من هذه المنطقة، ولهم زملاء في مناطق أخرى. أحد الجيران البلجيك سألهم عن بطاقة الهوية وخطاب مكتب النظافة الرسمي ولما تأكد أعطاهم وأعطيناهم. وفي نهاية الموسم تجمع الأموال وتقسم بينهم بالتساوي.
أما الرجل البيانولا فوضع مختلف جدا. ما أن يظهر في شارع ويعزف على آلته وتنطلق الموسيقى حتى يفتح الناس، خاصة البنات والسيدات، الشبابيك والبلكونات ويرمون له باليوروهات المعدنية! هكذا بكل بساطة! اليوم مثلا ذهبت مع ابني الصغير لملعب الأطفال فوجدناه عند أول شارعنا والسكان في أول عمارة يضعون اليوروهات المعدنية في أكياس بلاستيكية صغيرة ويقذفونها له من أعلى. ورأيت فتيات وسيدات جميلات ينزلن بالروب ليعطينه بأنفسهن أوراقا مالية، لأنهن لو قذفن بها ستطير ويتعبونه في جمعها. وهكذا يظل الرجل اللطيف ينتقل من عمارة لأخرى، وكلما امتلأ الطبق باليوروهات وضعها في شنطته الجلدية بنية اللون المعلقة على الآلة ويكمل العزف. وإبان عودتي من ملعب الأطفال وجدته قد وصل بقرب منزلي. كنت أريد أن أسأله عن سره الباتع ولكن لم أفعل، بل أعطيته شيئا وصورته لكم، وهذه صورته لمن يريد أن يدعو عليه.

الجمعة، 8 يناير 2016

حياة الآخرين

 رأيت بالأمس فيلم "حياة الآخرين". الفيلم قاتم وحزين يدور حول عمل الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية (الاشتازي). كان الاشتازي يراقب كل أصحاب الفكر ليل نهار ويكتب عنهم التقارير. بطل الفيلم (أستاذ في أساليب التجسس بإحدى الكليات العسكرية) يعيش حياة باردة ويعاني الوحدة. جميع الجيران يعرفون أنه شتازي ويخافون الاقتراب منه. يوجد في الفيلم مشهد علق سريعا بذهني لأنه يحمل جوهر الفيلم ككل، في هذا المشهد عاد رجل الاشتازي إلى البناية التي يسكن فيها، ركب الأسانسير فركب معه ولد صغير في السادسة من عمره تقريبا ويمسك كرة قدم. رجل الاشتازي ينظر أمامه في اللاشيء بينما الطفل المشاكس ينظر إليه من أسفل إلى أعلى ثم يفاجئه بهذا السؤال:
- هل تعمل حقا في الاشتازي؟
- وهل تعرف ما هو الاشتازي؟!
- نعم. هو الذي يعذب المخالفين في الرأي.
- من قال لك هذا؟
- أبي.
- وما اسم أ...أ..
- اسم ماذا؟
- أ.. أ.. اسم كرتك.. ما اسم كرتك؟
- هأهأ.. الكرة؟! الكرة ليست لها اسم..
وهنا توقف الأسانسير فأسرع رجل الاشتازي خارجا من الأسانسير إلى مسكنه والطفل خلفه يتعجب!  

فيروز وبليغ حمدي


  من الأمور الغريبة أن بليغ حمدي لم يلحن لفيروز. خسارة. كانا يمكن أن يلتقيا على أغنية بروح سيد درويش مثلا. وفيروز تحب سيد درويش ربما بسبب روحه السكندرية المتوسطية، وربما أيضا بسبب قصر ألحانه وأغانيه. وهي كما قال عبدالوهاب "أقدر المطربات في تأدية الأغاني القصيرة، نظراً لقدرتها على أن تطرب السامع في أقصر وقت كأنه استمع إليها لساعات". أما بليغ فكان تلميذا نجيبا لسيد درويش، خاصة في جزئية استلهامه أغانيه وألحانه من كلام الشعب، وهذا ما كان يفعله بليغ بالضبط ونجح في أن يخضع الإيقاع الموسيقي لإيقاع الحياة، ولكن الحياة القاهرية المدينية. وظني أن هذه هي مشكلة فيروز. فبليغ كان قاهريا حتى النخاع بينما فيروز ابنة للريف ولجبال لبنان والهواء الطلق. خسارة فعلا. لو التقيا لحققا نجاحا منقطع النظير!

الأربعاء، 6 يناير 2016

ثلاث مدن وثلاث حيوات

هنا اكتب في الغالب عن ثلاث مدن عشت فيها ثلاث حيوات منفصلة متصلة، كرداسة وبامبرج وبروكسل.
في كرداسة عشت طفولة شبه أسطورية قبل أن تدخلها الكهرباء وينتشر الراديو والتلفزيون والجماعات. حياة تركت ندبات لا تمحى أحملها معي حيثما أرتحل. كانت حياة مملوءة بالمتصوفة والشيوخ الربانيين واللصوص وقطاع الطرق والقتلة المأجورين، لكن أجمل ما فيها كان الريف القديم وفلاحوه بالجلابيب الزرقاء على الشادوف والطنبور وفي الغيطان، وشجر التوت والصفصاف على الترع والمصارف، ومواسم جمع... القطن، والبيوت القديمة المبنية من الطوب اللبن، ورائحة خبز البتاو الساخن، وجو صلاة الفجر، وحلوى موالد الصالحين، وأشياء أخرى لا تحصى. الآن عندما أعود إلى كرداسة لا أجدها، اختفت غيطانها تحت طبقات الإسمنت، وردمت الترع والمصارف بأكوام الزبالة وبالصرف، وازدحمت شوارعها بالأغراب وبأجيال جديدة لا أعرفها، ولا أحد من الجيل الأسطوري الذي عرفته يوما.
وعندما انتقلت للدراسة بمدينة بامبرج العتيقة لم أشعر كما قلت مرة بأي صدمة حضارية، ورغم ذلك كان هذا الانتقال - وبإرادتي الشخصية - أشبه بالقطيعة المعرفية كما يقال. كان لدي عزم أكيد على أن أغرق ما استطعت في الحياة الجديدة: الجامعات والمكتبات واللغات والمسارح والمهرجانات وقاعات السينما والموسيقى. الغريب أنني كنت أسجل كل شيء يوميا، الكتب التي كنت أطلع عليها والحوارات والمحاضرات والندوات والأفلام وزيارة المدن الأخرى والبرامج التلفزيونية وحتى النكات الألمانية. والآن عندما أتعثر فيما كتبت أنبهر لجنون الكتابة التي تملكني آنذاك، كميات رهيبة من الأوراق والدفاتر عن كل شيء حتى العلاقات العابرة. أحيانا أترك ما في يدي وأعكف على ترتيب كل ذلك وكأنني أؤلف حياتي من جديد، وكان هذا أحد أهدافي من المجيء إلى بروكسل، مدينتي الثالثة، ولكن سرعان ما تجرفني المشاغل فأتشاغل وأنسى ما بدأت.
بكل هذه الخبرات المتراكمة جئت إلى بروكسل وكالعادة فإن همي الأول هو الكتابة، فأنا أسير في شوارعها وأكتب، وأتعلم لغاتها وأكتب، وأتحادث مع ناسها وأكتب.. لكن الجديد أنني لا أريد مراكمة أوراق أخرى، لم أعد استطيع الكتابة في دفاتر، ومن سيهتم لذلك! لذا أكتب وأنشر مباشرة وإلا سأمل لن أواصل. وفي كل أجازه دراسية أعزم عليّ تفريغ كل دفاتري القديمة والتخلص منها ولكني لم أفلح حتى الآن.

هل هذا لحم خنزير؟


ابني (10 سنوات) في المدرسة الأوربية ببروكسل. كل سنة توجد رحلة مدرسية لمدة أسبوع ضمن الدراسة. في الأعوام الماضية كانوا يذهبون لمدن بلجيكية مرة على البحر وأخرى في إحدى الغابات.. الخ. هذا العام بدأوا يدرسون الإنجليزية بجدية لذا كانت الرحلة إلى كنت في إنجلترا. أخذ الشنطة والباسبور وهو فرحان أنه سيكون أخيرا بمفرده، دون ماما وبابا! يوم الاثنين ركب الاتوبيس حتى القنال الإنجليزي. نزلوا من الاتوبيس الذي دخل باطن العبارة. أما التلاميذ فأظهروا الباسبورات وركبوا أعلى العبارة لمدة ساعتين ثم نزلوا على البر الإنجليزي وركبوا الاتوبيسات حتى كنت. وبعد رحلة دامت ثماني ساعات سجل كل منهم نفسه وأخذ مفتاح الحجرة ثم ناموا من التعب. وفي الصباح كل شيء أصبح بالإنجليزية ولابد وأن يعصر ذهنه لتذكر الكلمات التي درسها. وأول جملة نطقها كانت في الإفطار حيث أشار إلى شرائح السجق وسأل عامل مطعم الفندق: (Is that pork).

البقر الراقص

رأيتني وكأني أجلس وعائلتي الصغيرة تحت شجرة بجانب أحد المراعي، وبالقرب منا ثلاث بقرات مختلفة الألوان والأحجام. في البداية لم أنتبه إلى أنها تقف على أرجلها الخلفية، وسرعان ما تهيأ لي أنهن ممتعضات مما حولهن. بدأت البقرات تخور بصوت عال. وفجأة بدأت في الرقص. هكذا خُيل لي، وحين بدأت اتعجب بصوت عال وأنظر إلى أسرتي الصغيرة سمعت من منحدر مجاور صوت خوار بقري وكأنه يبدي إعجابه. ولكن كيف عرفت ...هذا؟ هل هي تخور بلهجتي أم صرت أفهم البقر! ثم رأيت فرقة كاملة من البقر تلبس أقنعة أعرفها وهي تصعد المنحدر العشبي وتتمايل راقصة على نغمات بدت مألوفة لكن لا أدري أين مصدرها. وسرعان ما انضمت مجموعة البقر للبقرات الثلاث ودخلت جميعا في نوبة من الرقص الهستيري. تخيلت أن البقر يرقص على أنغام أغنية اشتهرت مؤخرا هل هي أغنية شاكيرا الأخيرة؟ لا. وهل توجد علاقة بين شاكيرا والبقر الراقص؟! هذه أغنية مصرية. نعم بالتأكيد. وبينما أغوص في تساؤلاتي انضم المتنزهون والمتنزهات لمجموعة البقر الراقص حتى زوجتى والولدين. بدأت أشعر كالعادة بزغللة في عيني اليسرى، وأخذت أحدث نفسي بالاستجابة لدعوات الانضمام لجموع الراقصين. وما أن وقفت حتى زادت الزغللة في عيني ثم انبجست أنوار ملونة من كل اتجاه، وسرعان ما اكتشفت أنني مرمي على أرض شارع طويل جدا. كانت أشعة الشمس تتلألأ على نظاراتي فترشح الأضواء ألوانا. نظرت إلى ملابسي وأنا جالس. لم تتغير، ولكن كانت في يدي شنطة. "أنا لا أحب الشنط اليدوية" قلت لنفسي، ولكن ربما فيها بعض الأشياء المهمة. تركتها وقمت وأنا أفعص في عيني اليسرى. "ما زالت تؤلمني". سرت في الشارع الطويل إلى آخره. أنتهى الشارع فجأة بباب مفتوح. "يبدو كمطعم". الغريب أن محفظتي ما زالت في جيبي، بل وبها بعض الأوراق المالية. كنت أتلفت حولي "أين المرعى والبقر الراقص؟" ثم رجف قلبي كما يمكن أن تتصور وأنا أقول "بل أين أسرتي الصغيرة؟". تجاهلت الإجابة وصعدت سلالم المطعم. يوجد أثنان يجلسان إلى طاولة وخلفهما ماء مترام لا أعرف هل هو بحيرة أم بحر أم محيط. سألت عنه بالإنجليزية. ابتسم أحدهما للآخر، وهم أن يقول شيئا فأسكته الثاني وقال بالعربية: "ده بحر اسكندرية. تحب تعدي؟"