الجمعة، 29 يوليو 2016

فاطمة المغربية

عندما انتقلنا لبروكسل كنا نبحث عن امرأة أمينة لتنظيف السكن. فعرفنا عن طريق الأصدقاء فتاة مغربية ممتازة وأمينة أسمها فاطمة. في البداية لم أكن أعرف كيف أتعامل معها لكنها كانت جادة ونبيهة جدا، وهي التي حددت يوم الخميس لأن جدولها ممتلئ ولا يوجد إلا هذا اليوم فوافقنا. وكنت انتظرها يوم الخميس صباحا فأعطيها الأجر وأخبرها بما يجب أن تفعل وأنصرف. ومع الوقت أصبحت هي أدرى وتفعل ما ينبغي فعله دون شرح. وكنا نتحدث معها بداية بالفرنسية. وفي أحد الأيام تلجلجت في جملة ما فقالت لي بالعربية "ممكن نتكلم مصري". فقلت لها "أهلا وسهلا وازي حضرتك كده". وعرفت أنها مغرمة بالأفلام المصرية القديمة! ومع الوقت أصبحت حواراتي معها يوم الخميس صباحاً هي أفضل ما يحدث لي في هذا اليوم. وهي ككل النساء ربما لا تتابع الأحداث الكبرى ولكنها تعرف من المعلومات ما هو أجدي وأنفع. فكنت كلما احتجت شيئا في بروكسل ولا أعرف أين أجده اسأل فاطمه فأجدها خبيرة بالموضوع مهما كان، وتعرف من أين نحصل على أجود بضاعة بأرخص سعر. وكنت منبهرا بذلك لدرجة أنني تخيلت برنامجا تلفزيونيا بعنوان "اسأل فاطمة" تُعرّف فيه المساكين أمثالنا ببروكسل الحقيقية! وكان غريبا بالنسبة لي أنها قدمت لبلجيكا حديثا وتتقن الفرنسية بهذا الشكل المبهر. فقالت لي أنها عاشت طفولتها هنا في بلجيكا وعندما كانت في الحادية عشرة أرسلها والداها إلى المغرب، حيث جدها وجدتها، لتربيتها بالطريقة المغربية، وأنها كانت ترى والديها في الأجازات فقط، ولما شبت وحان زواجها أعادوها لبلجيكا. وأنا أعرف أن الأتراك يفعلون هذا في ألمانيا خاصة مع البنات وهو أمر معروف ومنطقي بالنسبة لكثيرين. وعلمت من فاطمة أنها مخطوبة بالفعل لشاب مغربي-بلجيكي يعمل (شيف حلويات غربية وشرقية) في أحد مطاعم بروكسل. وقد قالت لي مرة أنها وهي تنظف أرفف مكتبتي لاحظت أن لدي قواميسا كثيرة فهل يمكن أن أعطيها واحدا (فرنسي-عربي). فقلت لها لماذا يا فاطمة وأنت تتقني اللغتين؟ فقالت "لخطيبي لأنه مغربي أمازيغي وأنا أعلمه العربية". فأعطيتها واحدا. وآنذاك كنت أريد تغيير السكن بآخر أكبر فوجدت أن السكن في القسم الفلمنكي أفضل وأكبر وأرخص. لكن المشكلة أن البلدية هناك لا تتعامل إلا باللغة الهولندية وإذا أردت التعامل بالفرنسية لابد وأن تدفع ثمن الترجمة! فقلت لنفسي ولما لا تتعلم الهولندية في الأجازة. ووجدت معهدا قريبا ثمن الكورس فيه 300 يورو. وقبل أن أسجل سألت فاطمة كالعادة. فوجدتها تدرس الهولندية منذ سنة كاملة، ودائما في المساء بعد الانتهاء من عملها بالتنظيف، وأنها في المستوى السادس وهذا مستوى عال جدا، وأنها تعرف كل المعاهد في بروكسل، وأنها تدرس في المعهد الرسمي لأن شهادته معترف بها في كل مكان ولأن ثمن الكورس فيه 30 يورو فقط هي ثمن الكتب! وبعد هذا الشرح الوافي قلت لها مباشرة "ينصر دينك يا فاطمة"! وأخذت منها العنوان ثم سألتها: ولكن لماذا تدرسي الهولندية؟ وما أهمية الشهادة المعترف بها في حالتك؟. فقالت، ولاحظ يا مؤمن جبروت المرأة وتخطيطها: أنها تعرف أن الوظائف في الجزء الفلمنكي أكثر وأفضل، وأنهم يرحبون بك جدا إذا وجدوك تتقن لغتهم، وأنها تبحث عن وظيفة مشرفة في إحدى الحضانات أو المدارس الأولية في الجزء الفلمنكي لذا تحتاج الهولندية. ولما سألتها لماذا الحضانات والمدارس الأولية اكتشفت يا جدعان أن فاطمة معها ليسانس تربية من المغرب. آه والله وساكتة ومخبية الموضوع! وأضافت لا فض فوها: "حتى المدارس الفلمنكية أفضل وأنا أخطط من الآن أن أرسل ابنائي للمدارس الفلمنكية، وبالطبع لابد وأن أذاكر لهم فأنا احتاج الهولندية مستقبلا أيضاً". الآن فقط عندما أتأمل كل هذا أفهم لماذا أحيانا كنت أقف أمامها مذهولا ولا أعرف بماذا أجيبها! وقبل زواج فاطمة سألتنا جميعا إن كنا نريد امرأة أخرى للتنظيف أم نصبر حتى تعود من شهر العسل في تركيا! فكلنا ودون اتفاق قلنا لها "سننتظرك يا فاطمة". وعرفت أن الجميع ونحن بالطبع أعطاها هدية زواج ضخمة. ويوم زواج فاطمة ذهبنا جميعا للفرح. كل الأسر التي تتعامل معها ذهبت لتهنئتها. وأعجبنا جميعا بجمالها الأطلسي وبالأطعمة المغربية وبالملابس التقليدية التي لا تظهر إلا في الأفراح وفي صلاة الجمعة والأعياد. وبعد الزواج وشهر العسل عادت فاطمة لعملها بهمة أكبر. وعرفت منها أنها قدمت أوراق الحصول على الجنسية البلجيكية. وبعد عدة أشهر طلبت منا كتابة تزكية لها. لماذا يا فاطمة؟ قالت والفرح ينط من عينيها "وجدت وظيفة في حضانة فلمنكية وسأكون مشرفة على فصل به خمسة أطفال". بالطبع فرحنا لها لأنها حققت أمانيها بالتدريج، الزواج والجنسية والوظيفة. وقلت لها "والله مش بعيد يا فاطمة تصيري وزيرة تعليم وما زلنا محلك سر!". وانتقلت فاطمة لسكن آخر بالقرب من عملها الجديد. ثم اختفت فاطمة وانشغلت عنا للأسف، وبدأنا البحث عن فتاة مغربية أخرى بنفس المواصفات ولكن هيهات، كأنه سبحانه لم يصنع منها نسخة أخرى وتركها فردا مفردا ليرينا عجائب قدرته. فسلام الله عليك يا فاطمة أنى حللت أو ارتحلت!
#روحي_فاطمية

الاثنين، 25 يوليو 2016

صاحب شجرة التوت

ممن درس لي علم الاجتماع أستاذة كنا نناديها (فراو روب). كانت دروساً باهتة ولا أكاد أذكر من أحداثها إلا أنني كنت أسرح كثيرا وبطريقة غريبة أثناء دروسها. على سبيل المثال أذكر أنها تحدثت مرة عن "نظرية التأويل" وقالت أن أصولها مصرية قديمة، وأنها تعود إلى إله مصري قديم يدعى "توت" (لاحظ الأسم). وهذا الإله كانت وظيفته في البداية أنه رسول الألهة للبشر لتفسير أوامرهم، وهو أيضاً راعي فن الكتابة، ووسيط في الصراع بين حورس وست، وأنه يرسم في العادة على شكل طائر (أبو منجل) أو ...على شكل قرد (البابون). في الحتة دي أنا دخلت في عالم ثاني وسرحت في مصر وشجر التوت على الترعة وكيف كنا نذاكر في الثانوية حتى مطلع الفجر ثم نخرج لنسطو على شجر التوت. وتذكرت عندما قفشنا صاحب شجرة توت فجرينا وتركنا صاحب لنا أعلى الشجرة بينما وقف الفلاح تحتها يسبه ويتوعده وصاحبنا فوق الشجرة ومع ذلك يقول له "والله ما أنا يا عم!" والفلاح يقول له "ومين اللي على الشجرة ده يا ابن الكلب!" واحنا ميتين على أنفسنا من الضحك. وفجأة عدت من رحلتي والأستاذة تتحدث عن التأويل عند اليونان وتقول "وهذا ما أشار إليه هيرودوت في تاريخة، ومن هيرمس جاءت الهرمسية والهرمنويتك. وده اللي هنحكي فيه المرة القادمة". طبعاً أنا كنت قد فقدت الخيط ولم أفهم العلاقة في ساعتها، ولكني كنت فرحا وأقول لنفسي لابد وأن يكون هذا الإله المصري الطيب هو صاحب شجرة التوت، وربما تمت تسميتها على اسمه بسبب مذاقها السماوي الجميل الذي يشبه مذاق تفسيراته للأوامر الإلهية. وبعد أن أنهت الأستاذة حصتها وبدأ الطلاب في الخروج استوقفتني وقالت لي: "لو حضرت المرة القادمة أرجو أن تتوقف عن الابتسام والضحك دون سبب!!"

عقدة قديمة

في المرحلة الثانوية تمنيت لو دخلت القسم الأدبي ولكن بسبب هري الأقارب والمعارف وزنهم صمم أبي على القسم العلمي ولم يكن يفهم من فرق بينهما إلا أن القسم العلمي شغله ومستقبله أحسن من الأدبي. المهم أُدخلت القسم العلمي غصباً ولم تنفع حججي بأنني أكره الرياضيات وبدخولي القسم الأدبي سأتخلص منها للأبد. وبعد سنتين حصلت على الثانوية بمجموع 73% تقريباً بعد أن نجحت في الرياضيات بقدر الله وقدرته! المهم بعد النتيجة بدأ الهري والزن مرة أخرى حول الكلية التي يجب عليّ الالتحاق بها، ولكنني هذه المرة صممت على ما أريد: (أداب القاهرة ثم قسم اللغة العربية، قسم طه حسين لا غيره!). وكنت أنذاك قد اكتشفت المجلات الثقافية المصرية والخليجية (وهي مصرية أيضاً) مثل العربي والدوحة وغيرهما. وبغرور الشباب كنت أقول لنفسي إذا كان طه حسين وصل لهذه المكانة في تاريخ الأمة المصرية وهو أعمى فيمكنني أن أصبح مثله وأنا مفتح ولله الحمد! وعندما كبرت وعقلت قليلا أصبح هدفي في الحياة - وما زال - هو اعتزال الأمة المصرية جمعاء! المهم عندما ذهبت لتقديم أوراقي في التنسيق اكتشفت أن قسم اللغة العربية بآداب القاهرة لا يقبل طلاب القسم العلمي. وكانت صدمة ما زلت أستشعر وقعها حتى الآن. وعندما تأكدت أخذت الاستمارات وعدت للبيت حزيناً، ولكن جاءتني فكرة أن أكتب آداب عين شمس وكانت تقبل طلاب القسم العلمي ثم أحول منها بعد سنة أو سنتين لآداب القاهرة. وملأت الاستمارات بعد هذه الرغبة الأولى بما تيسر ثم ذهبت للتنسيق وقدمت الأوراق وأنا سعيد بالفكرة. وعندما ظهرت نتيجة التنسيق وجدت نفسي في آداب الإسكندرية. آنذاك كان فيلم يوسف شاهين "إسكندرية ليه؟" في السينما. فذهبت للتنسيق في المدينة الجامعية وسألت "إسكندرية ليه؟" "إسكندرية ليه؟" وتعاركت مع الموظفين فخرج رئيس المكتب وبعد أن عرف مشكلتي قال لي ببساطة "حسب التوزيع الجغرافي كان أمامك آداب القاهرة لكنك كتبت آداب عين شمس رغم أنك تعرف أن هذا خطأ وعقابا لك بعثنا بك إلى آداب الاسكندرية، ولكن أمامك فرصة للتحويل"!. وتركني مذهولا وانصرف وأنا أقول له - ولمن حولي - "ضيعتوني. آداب القاهرة لن تقبلني لأن علمي وأداب عين شمس بسبب التوزيع الجغرافي وليس لدي ما يكفي لأعيش في الإسكندرية". طيب البعض خاطري وقال إنشاء الله ربنا هيحلها من عنده. اشتريت جريدة الأهرام وعدت للبيت وأنا أفكر في التحويل لكلية الحقوق أو كلية التربية. وعندما فتحت الجريدة وجدت حوارا مع دكتور اسمه عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام) من كلية تسمى دار العلوم. كان قد حصل على الدكتوراة من إسبانيا وعاد للتدريس في هذه الكلية التي كنت أسمع عنها للمرة الأولى. وقد تحدث في الحوار عن سبب التحاقه بهذه الكلية وقال أنه عندما انتهى من الثانوية الأزهرية ذهب للأستاذ عباس محمود العقاد شخصيا ليطلب نصيحته فنصحه العقاد بدار العلوم وقال له "عليك بدار العلوم يا مولانا". في اليوم التالي ذهبت لأرى هذه الكلية ومناهجها وأقابل هذا الدكتور فانتظرته أمام أحدى القاعات حتى خرج فسألته إن كان قال هذا الذي في الجريدة. وفي البداية تعجب جدا لأنني تأثرت بالحوار وجئت خصيصا لأستزيده! فقال لي "يااه دا انت على نياتك ومحتاج قعدة طويلة!" وأصطحبني إلى مكتبه المملوء بالطلبة والطالبات، وكان رحمه الله محبوبا جدا من طلبته. ولما حكيت له الموضوع بالتفصيل نصحني - مثل العقاد - بأن أحول إلى دار العلوم وأن آتي إليه بعد ذلك. وبعدها مباشرة ذهبت لآداب السكندرية لأول وآخر مرة وقدمت طلب التحويل وانتظمت في دار العلوم رغم أن التحويل لم يتم إلا قبيل منتصف العام.
آه. الآن وقد عرف أصدقائي في قسم اللغة العربية بآداب القاهرة لماذا وأنا درعمي أحبهم وأميل إليهم، فإني أقول لهم مؤكداً: نعم إنها إحدى عقدي القديمة التي أبوح بها هنا للمرة الأولى!
#الله_يرحمك_يادكتور_عبداللطيف

الأربعاء، 20 يوليو 2016

أن تعرف ماريانا

الأوصاف الدقيقة غير مهمة الآن أو قل أنني احتفظ بها لنفسي، لكن المهم أن تعرف أن "ماريانا" كانت فتنة تسير على قدمين طويلتين، ومن أي ناحية تراها! وأن جمالها ما زال يخايلني حتى الآن! وكنت أتعجب كيف لفتاة بهذا الجمال تترك الفن والموضة وتدفن نفسها في الاجتماع والفلسفة وتضيع عمرها في قراءة ناس معفنين لو رأوها لفتنوا بها عما يكتبون. واتصور مثلاً لو أن واحدة مثل ماريانا دخلت حياة شوبنهور لكان ضرب التشاؤم مئة جزمة وتحول لمذهب الاتحاد وأفنى نفسه في عشق ماريانا. لكن الغريب أن الأولاد كانوا يتعاملون معها بشكل عادي! بينما أشعر أن ماريانا منزعجة من نظراتي مع أنها بالتأكيد طبيعية! المهم أن هذه البنوتة الجميلة كانت مساعدة لأستاذ علم الاجتماع وكانت تدرس لنا المداخل قبل الأستاذ. وعندها لا تعرف إن كانت تدرس فلسفة أم فتنة أم اجتماع فكل هذا جد متداخل متضافر في حركة هرمونية كونية واحدة. المهم حضرت لها فصلا دراسيا واحدا ليته دام إلى الأبد. وقد أحببت كل ما كانت تدرسه، ولو كنا نعيش في الصحراء ولدي بعير لأحب ناقتها بالتأكيد. وفي هذا الفصل كانت تدرس لنا مدخلا لأعمال عالم اجتماع اسمه جورج زيمل عرفت أنها تكتب الدكتوراة عنه. وعندما عرفت أن هذا الرجل كان مغرما بالموضة ودرسنا معها كتابه المعروف "فلسفة الموضة" ورأيت مدى إعجاب ماريانا بالكتاب عرفت مشكلتها! وداخلني عطف جارف عليها وأردت أن أواسيها ولكن لا أدري كيف! وبعد فترة قصيرة دعاني أساتذي المشرف لمركز بحثي يديره لألقي كلمة أو ملخصا عن رسالتي للدكتوراة. وصلت في الموعد فوجدت الأستاذ قادم على دراجته والجميع بيسلم على بعض وبيبوس بعض. وهنا وصلت ماريانا لا أدري كيف فالجميع سلم عليها وقبلها على خديها، وطبعا أنا راجل طبيعي ومش ممكن أشذ عن القاعدة! ولعلمكم أنا أكره الشذوذ كرهي للعمى! فما كان مني إلا أنني سلمت عليها وقبلتها كالجميع، قبلة أخوية على الخد، ولكنها ويا للعجب نظرت إليّ دون الجميع وقالت لي "إحذر لأني قاسية القلب"!. وبينما الجميع يضحك تذكرت قول مهيار: (آه على الرقة في خدودها// لو أنها تسري إلى فؤادها). وبينما أنا سرحان في الملكوت وجماله وتناسقه الذي يدل على عظمة الخالق سبحانه وجدت الأستاذ يربت على كتفي ويقول "ممكن نبدأ الآن". وقد انتهيت سريعا لأسمع الأسئلة، عسى أن يكون بينها سؤلا لماريانا. ولكن لما جاء دورها أخبرتنا أنها وجدت وظيفة في مكتب العمل في آخر بلاد الألمان، وأنها جاءت بالاتفاق مع الأستاذ لتودعنا. واختفت ماريانا قبل أن نبدأ الحكاية. وحزنت لمدة يوم كامل، ولكن كما تعرفون فأنا رجل طبيعي واللي بعيد عن العين بعيد في آخر بلاد الألمان!
#ودي_كانت_نهاية_فرقة_ماريانا
 

الثلاثاء، 19 يوليو 2016

أنف يوسف وهبي.. يا للهول!

كان ليوسف وهبي قبل شهرته أنف فخم ضخم بارز التكوين، يسترعي النظر، ويتقدم صاحبه ويطل على ملامح وجهه كما يطل البرج الأمامي لقلعة صلاح الدين على القاهرة. وكان التفاهم قائما على أحسن حال بين يوسف وهبي وأنفه، إذ كان يوسف يمثل الأدوار الفكاهية بنجاح بسبب خفة ظل هذا الأنف. وآنذاك لم يكن يوسف وهبي معنيا بتمثيل أدوار الفتى الأول في المسرحيات. ومعلوم أن هذه الأدوار تتطلب أن يمتلك من يقوم بها ملامح متناسقة متناغمة، ففي مواقف الحب والهيام تتقارب الشفاة وتتلامس أعضاء الجسم، ويجب أن يتم هذا بسلاسة وهارمونية من غير أن يعترضه أنف فخم ضخم أشم! وبعد أن أصبحت ليوسف وهبي حظوة عند الجماهير أسس فرقة رمسيس المسرحية وأصبح ممثلها الأول، ومن ثم لابد وأن يمثل أدوار الفتى الأول. وكان الجمهور، خاصة السيدات، يحلو له أن يرى يوسف وهبي وهو يرسل الزفرات ويمضغ التأوهات، وقد أمسك الهيام بخناقة، ولكن كان هذا الأنف الضخم الأشم يحول دون ذلك. ولأن يوسف وهبي لم يكن يبالي بأي عائق يقف في سبيل تحقيق النجاح الذي يريده فقد أسلم أنفه لمبضع الجراح الذي أبدع فيه تهذيبا وتأديبا وتجميلا. وكان هذا الأمر عجيبا آنذاك لذا انبهر الناس به وتفننت الصحف في الحديث عنه وعن هذا الأنف الشهيد وأكبرت تضحية يوسف وهبي في سبيل الفن! وفي أول عمل ليوسف وهبي بعد العملية أطل أنف جديد في وجهه، إلا أنه أنف ولا أنف، فقد كان منبطحا على وجهه ولا يستطيع أن يشد له قامة كأنه مادة هلامية أو طبق من الألماظية الرجراجة فيا للهول! (بتصرف عن: "ذكريات ووجوه" لزكي طليمات 1981)

الخميس، 23 يونيو 2016

مطعم سوري اسمه المطبخ اللبناني

اليوم وأنا أنتظر الإشارة في ميدان مايزا ببروكسل اكتشفت على الجانب المقابل مطعما سوريا جديدا اسمه "المطبخ اللبناني"! ما أن اقتربت منه حتى هلت روائح المخللات خاصة البصل. وكل من يعرفني شخصيا يعرف أنني من عشاق البصل المخلل بكل أنواعه عدا المخلل في النبيذ أحمرا كان أو أبيضا! المهم دخلت المحل فوجدت شابة باهرة الجمال، ونحن كما تعرفون في رمضان ولكنكم لا تعرفون أن اليوم حار جدا في بروكسل والناس مش لابسة حاجة تقريباً. المهم قالت لي بفرنسية طليقة "هذا للنباتيين فقط". فقلت في عقل بالي: البنت الحلوة ظنتني من بتوع الهُبر مع أنني شبه نباتي في الفترة الأخيرة. لم أجادل رغم أنني من محبي مجادلة الحسناوات لكن في غير رمضان. وهذه الحسناء كما مر كانت شيئا خاصا وظني أنها لم تكن تلبس تحت مريلة المحل إلا الهوت شورت! سألتها بالفرنسية: وهل أنت لبنانية؟ فقالت: لا أنا سورية. وأنا يا حضرات نقطة ضعفي في الحياة هي الحلويات السورية لذا ألجمت نفسي وارعويت وأخدتها من قصيرها وقلت لها: أريد فقط تجربة المخللات السورية سأشتري ولكن ليس كميات كبيرة. ورغم أنني أخبرتها أنني مصري لم تغير هي فرنسيتها وظلت تذكر لي البابا غنوج والحمص والزيتون والبصل والباذنجان بالأسماء الفرنسية. وعند الباذنجان لنا وقفة! فأنا كما تعرفون أو لا تعرفون يمكن أن أعيش حياتي على الباذنجان والخبز فقط لذا أكثرت منه واشتريت كل أنواع المخللات التي يدخل فيها الباذنجان. المهم الأسعار كانت نار مثل جو بروكسل اليوم ولكنها عملت لي تخفيض محترم ربما بعد أن عرفت أنني مصري أو لأنني زبون جديد. وعندما كانت تضع المخللات في الشنط تأملت المطعم، جميل ونظيف لكن لا أدري هل يستمر أم لا. من خبرتي القصيرة أن السوريين الأغنياء الذين يأتون لبروكسل يفتتحون بداية محلات ممتازة حتى إذا حصلوا على الإقامة أغلقوها وغيروا المجال واختفوا.
#تخاريف_صيام

صيدلية الرجل اللبناني

بالقرب من مسكني وعلى إحدى النواصي الجميلة التي تطل على ميدان شهير ببروكسل كانت توجد صيدلية ملك لصيدلي لبناني ضخم الجثة لكن شكله جميل وجسده متناسق. عندما تراه وتنظر لعيونه الذكية تعرف أنه من النوع المحب للحياة النهم لملذاتها. كانت صيدليته كبيرة، منظمة، حافلة بالزبائن، تقف أمامها سيارات توريد الأدوية مرتين أو ثلاث في اليوم. عندما تجاذبنا أطراف الحديث وسألني عن أصلي وفصلي سألته إن كانت الصيدلية ملكه. تمهل لحظة وقال نعم وأنا الآن بصدد فتح فرع آخر في وسط بروكسل. ومرت شهور وحل محله صيادلة آخرين، يعملون لديه، كان آخرهم صيدليا تونسيا شابا درس الصيدلة في رومانيا وجاء من تونس قبل أسابيع قليلة للعمل في بروكسل بسبب حاجة بلجيكا للأطباء والصيادلة. كان شابا جميلا ناجحا ومغريا لأي فتاة. وعندما قلت له: زميلتك البلجيكية - وكانت جميلة بالفعل - مغرمة بك. ابتسم كأنه يعرف وقال: هي لها صديق وأنا أحب بنت تونسية سأذهب في الأجازة للزواج منها ثم نعود معاً. وهذا ما حدث بالفعل. وبعد فترة اختفت زميلته البلجيكية وعندما سألته قال: أنها انتقلت للفرع الثاني وسط بروكسل لأن صاحب الصيدلية أصبح مشغولا طوال الوقت. قلت: هل سيفتح فرعا ثالثاً؟. قال: لا.. لكن ربنا يستر. وبعد فترة كنت كلما سألت عن دواء يقول لي: يا ريت تسأل في صيدلية أخرى. وعندما أقول: أطلبه لي كالعادة. يقول: لم تعد سيارات التوريد منضبطة كما كانت. وبعد فترة أخرى فوجئت بإعلان تفليس ملصوقا على الصيدلية وبجانبه إعلان بيع! وعندما لمحت الصيدلي التونسي موجودا بين الأرفف شبه الفارغة دخلت الصيدلية وسألته. فقال: لقد أفلس صاحب الصيدلية. قلت: غريبة. ازاي. ده رجل حريص ومفتح يعني؟ فسكت وسكت ثم قال بتردد: القمار لا علاج له. وعرفت منه أن تلك الصيدلية الجديدة للرجل اللبناني كانت تطل مباشرة على أحد نوادي القمار الشهيرة في بروكسل.. بالطبع يمكن للمرء أن يقول كلاما كبيرا حول هذا الموضوع لكن لم أفعل وهو أيضاً لم يفعل. لكن ما زلت اتعجب للمرء يكون متزنا طوال حياته ويبني نجاحه بهدوء وتؤده وفجأة عندما يوشك على الوصول وبعد أن يصبح كهلا يفقد السيطرة ويدمر نفسه ذاتيا دون أن يرغمه أحد! المهم سألت صديقي التونسي عما سيفعل فقال: سأبحث عن صيدلية أخرى لأنني لن أعود لتونس الآن. وبعد فترة قصيرة رأيت شركات التوريد تأخذ ما بقي من أدوية ثم قام البنك وشركة التأمين بالحجز على المكان وإغلاقه.