الاثنين، 23 مايو 2016

معلومات أولية عن ثلاثية نجيب محفوظ

تكمن أهمية الثلاثية، في رأيي بالطبع، في أنها كانت بمثابة رصد فني لمرحلة انتقال كبرى مرت بها مصر في الفترة من سنة 1917 وحتى 1944 وذلك من خلال أجيال ثلاثة تعبر عن الماضي والحاضر وتتجه نحو المستقبل. وكان نجيب محفوظ يهتم فيها بعنصر الزمان قدر اهتمامه بعنصر المكان كما هو واضح في عناوين أجزاء الثلاثية؛ فتغيير مركز الثلاثية المكاني من حي إلي حي كما يظهر في عناوين الأجزاء يبرز "التحولات الكبرى ضمن المجتمع (المصري) والتي تعتبر أقدار هذه الأسرة مثلاً عليها". والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الزمان الذي يمثل عاملاً أساسياً في رواية الأجيال. وقد أهتم نجيب محفوظ بإبراز أن التحولات المكانية مرتبطة بالتحولات الزمنية التي يمر بها المجتمع، وذلك بإحداث نوع من الترابط بين أحداث الثلاثية وأحداث تاريخية معروفة في تاريخ مصر الحديث. وهذا ما يتضح من التقسيم الزمني للثلاثية:
فالجزء الأول "بين القصرين" (1956) يستغرق الفترة ما بين أكتوبر 1917 وحتى إبريل 1919 حيث يبدأ بتولي السلطان أحمد فؤاد العرش سنة 1917 وينتهي بمصرع فهمي عبد الجواد في إحدى مظاهرات 1919. وهي تمثل رصد روائي ليقظة المجتمع المصري ودخوله مرحلة الثورية. ويظهر في هذا أيضاً يظهر ميل نجيب محفوظ إلي التقسيمات الفكرية؛ حيث نلتقي هنا بثلاثة تيارات رئيسية تتمثل في أبناء السيد أحمد عبد الجواد؛ فالتيار السياسي الثوري يمثله فؤاد، والتيار الغارق في ملذاته يمثله ياسين وهو امتداد لشخصية الأب في هذا الجانب، وإن كان له من فضل فهو أنه لم يعش حياتين متناقضتين كوالده ممثل الجيل القديم، وأخيراً الشخصية الأساسية في الثلاثية ككل "كمال عبد الجواد" وهي تمثل التيار الفكري المثالي.
ويستغرق الجزء الثاني "قصر الشوق" (1957) الفترة ما بين يوليه 1924 وأغسطس1927، وهو امتداد للخطين الباقيين من الجزء الأول. وفيه نلاحظ أمرين: شكلي وموضوعي. فعلي المستوى الشكلي هناك حذف ضمني غير محدد مقداره خمس سنوات يمكن الاستدلال عليه من خلال حديث أصدقاء السيد أحمد عبد الجواد في بداية هذا الجزء عن سفر سعد زغلول والوفد المرافق لمفاوضة الإنجليز، وكان هذا في شهر يونيه سنة 1924 أي بعد خمس سنوات علي انقضاء الجزء الأول، وكذلك ينتهي هذا الجزء بموت سعد زغلول 23 أغسطس 1927. وأما علي المستوى الموضوعي فالرواية إلي جانب الرومانتيكية الفلسفية التي تسيطر عليها تبرز العوامل الطبقية كعامل من عوامل إفساد ثورة 1919.
وأما الجزء الثالث والأخير "السكرية" (1957) فتبدأ أحداثه بعد سبع سنوات من انتهاء أحداث الجزء الثاني؛ حيث يستغرق الفترة ما بين نهاية عام 1934 ونهاية عام 1944 وهو يبدأ كالجزء السابق بحدث سياسي كبير (حفلة عيد الجهاد في 13 نوفمبر 1934 والتي ألقى فيها الزعيم مصطفى النحاس خطبته التي دعا فيها إلى الثورة ضد الاحتلال الإنجليزي. وفي هذا الجزء يمكن أن نلاحظ ثلاثة أمور عامة هي: أن هناك حذف ضمني جديد، هذه المرة لمدة تزيد عن سبع سنوات، وأن زمن الرواية يمتد لقرابة عشر سنوات مما أثر علي شكل الرواية وبنيتها، وزاد من هذا أن دروب الرواية تتفرع وتتنوع مع دخول الجيل الثالث إلى مسرح الأحداث. وهذا ما تهتم الرواية برصده ويجب أن نهتم بتحليله. والأمر الأخير أن هذا الجزء ينتهي كسابقيه بحادث موت، ولكنه هذه المرة حادث مزدوج حيث يموت كل من "السيد أحمد عبد الجواد" وزوجته "أمينة".
الحقيقة أن من يقرأ نصوص نجيب محفوظ لا بد وأن يلاحظ أن ثورة 1919 هي أهم أحداث حياته التي خلدها مرارا بأن جعلها منطلقا لكثير من رواياته. إلا أنه لم يكن يؤرخ لها، وإنما لمفهوم التحرر الشامل الذي عم مصر على كافة المستويات وذلك من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد "وكيف ترى أحداث الثورة وتختلط بها، وكيف يتغير وجدانها مع الثورة رجالا ونساءً دون أن يشعروا".
وكما سبق فإن الشخصية الرئيسية في الثلاثية، هي شخصية "كمال عبد الجواد" وهي خير دليل علي النضج والعناية التي وصل إليهما نجيب محفوظ في تصوير شخصياته، وربما كان ذلك بسبب قربها الفكري منه. وهنا ا بد وأن نشير إلى أن نجيب محفوظ أنكر مراراً أنه كمال عبد الجواد وقال مرة: "الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي، فالتطور العقلي لكمال أذكر إنني مررت به تماما خطوة خطوة، ما عدا ذلك لا تعتمد على الشخصية كترجمة ذاتية لأن أساسها كان الخيال للوصول إلى حقيقة فنية وفكرية".
وكمال هذا عاش عدة مراحل من التحرر على المستويات الشخصية والسياسية والعقدية. وهو يمثل الخط العام لتطورات وتحولات الثلاثية من خيال ومثالية كاملة إلى واقع وحقائق علمية؛ نشأ في جو إرهاب عائلي لكنه ثار على سطوة الأب بأن دافع عن رغبته - بل وحققها - في دراسة الفلسفة بدلاً من الحقوق. وكانت مشاركته في المظاهرات تعبيرا عن تململه من سطوة المحتل وربما سطوة الأب. ثم كانت ثورته الكبرى على ذاته، على العقائد والقيم المتوارثة. لقد عانى - كأغلب شباب جيله - أزمة فكرية قاسية، تشبه موجة الإلحاد التي مرت بها شخصيات "القاهرة الجديدة"، شك خلالها في كل شئ فأصيب بالملل والسأم ولم يلبث أن أخرج الله من عالمه مما جعل صديقه القبطي رياض قلدس يرثى لحاله ويقول: "انك تعانى أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثى لك" (السكرية ص 226).

الاثنين، 9 مايو 2016

أم كلثوم ضد التبشير والمبشرين

كلما ذهبت إلى وسط بروكسل أكاد اصطدم كل عدة أمتار بأحد المبشرين، تجده يقف بمفرده وفي يده الإنجيل أو مع مجموعة ومعهم حامل يرصون عليه كتب التبشير ويعترضون الرائح والغادي. وهؤلاء المساكين ينتمون في الغالب لأحد الاتجاهات المسيحية المتطرفة وعلاقتهم بالكنيسة الرسمية غير واضحة. ما أن يلمح سحنتك حتى يتقدم منك بابتسامة عريضة وهو عازم على قطع حبل أفكارك، وفي هذه اللحظة بالذات تخطر في بالي أم كلثوم وكأنها تغني "متبشرنيش مخلاص". فيقول لك "لو سمحت يا أخي في الإنسانية هل أجد عندك دقيقة واحده للرب". ونصيحتي هنا بضرورة البعد عن كل من يلقاك بابتسامة عريضة دون معرفة سابقة. أما عن المبشرين وابتسامتهم فالأفضل أيضاً أن تواصل سيرك كما كنت، لا تقف، ولكن لا مانع من أن تقذفه باعتذار سريع وأنت تبتعد عنه. البعض منا قديما كان يتفاكه وهذا خطر. أنا سمعت مرة واحد يجيب "للرب! ولا ثانية. إنه لا يستحق!". أنا نفسي انزعجت من الإجابة. في الغالب هذا المبشِر وأمثاله لا يعتقد ولا يظن أنك ستتبعه مباشرة وإلا لخاف منك وظن بك الظنون. هو فقط يريد الحوار ويعتبره نجاحا له، لذا لا بد وأن تتجاهله ولا تتوقف ولو لثانية واحدة. أنا أفعل هذا الآن وأقول هذا لنفسي أولاً.
قديما كان يمكن أن أتكلم مع أحدهم لدقائق طويلة. أذكر مرة أن أحدهم وكان ألمانيا ظل يكلمني عن الخطيئة الأصلية، وكيف أن الله غضب على أدم وحواء وطردهما من الفردوس، وفي النهاية بعث ابنه يسوع فتعذب وصُلب ليخلصنا. بالطبع دخلت معه في جدال طويل لكن مألوف، وكنت أقول له "يا أخي أنتم كألمان أهل منطق فكيف تؤمنون بإله يأتي بتصرفات غير منطقية. ما الداعي لكل هذا اللف والدوران. أدم غلط واتربي وخلصنا، فما ذنب بقية الأجيال؟ ولو فرضنا أن لهذا الإله ابنا، وهذا غير منطقي أيضاً، فلماذا يترك الأخرين يعذبونه ويصلبونه فقط حتى يخلص هؤلاء الأخرين من جريرة أدم التي لا ذنب لهم فيها. لو كان إلها منطقيا لغفر من البداية واراحنا من هذه العملية الدموية، وخلصنا من هذا الموضوع وارتحنا من العداوات المستمرة ومن المبشرين الأغبياء" بالطبع كاد أن ينتهي الأمر بشجار.
ولأن مثل هذا السيناريو كان يتكرر كثيرا كنت اضطر لقطع الموضوع وانهائه بأي طريقة. أتذكر أنني كنت أحب التردد على مكتبة معهد اللاهوت في الجامعة. وفي أحد المرات أعجبني كتابين كان أحدهما بمثابة توثيق لعلاقة ديلسبس (بتاع قناة السويس) مع البعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر، خاصة التي كانت تخطط لطريق الحواريين. أما الكتاب الآخر فكان عن تاريخ المبشرين في العالم كله، حياتهم وأعمالهم وكنائسهم فقررت استعارة الكتابين وتصويرهما لمشروع محتمل خايلني في لحظتها. وعندما خرجت من المكتبة جلست في الحديقة المجاورة التي تفصلها عن مكتبة الدراسات الإسلامية. وما أن جلست حتى جاء أحدهم، كنت رأيته قبل أن أجلس وعرفت ماذا يفعل، ولأن أحدا لا يقف له فبالتأكيد سيأتي إليّ. وقد كان وجلس بالقرب مني وقال لي كالعادة "هل ممكن أسألك عن شيء ما" ولأنني كنت أبحث عن تسلية قلت له "تفضل". فسألني إن كنت أعرف يسوع المخلص. قلت "طبعا أعرفه كأنه صديق مقرب لي، فأنا أدرسه وأعايشه ليل نهار". قال "كيف؟ ولماذا؟". فقلت أعابثه "ربما لا تعلم أنني أكبر بروفوسور مصري في مقارنة الأديان. وأنا هنا كي أعطي ثلاث محاضرات عن مخطوطات نجع جمادي، وعن أن أناجيل برنابا ومارية المجدلية ويهوذا الاسخريوطي وحتى إنجيل رمسيس، كلها تعطي صورة أصح للمسيح وأقرب للحقيقة من تلك التي في الأناجيل الأربعة الرسمية لدى الكنيسة وأن.. تعال يأخ انت رايح فين؟". فقال "عن إذنك ده موعد الوجبة الجماعية في الكنيسة". ونفد بجلده.
الآن لم تعد لدي هذه القدرة على العبث والمعابثة، ربما لأنني أصبحت، بعد الخمسين، سريع الملل وأسرع من ذلك في البعد عن الجدال والنقاشات الطويلة. ولذا عندما أرى أحد هؤلاء المبشرين قادما باتجاهي لا أجد إلا الحل الكلثومي الجميل "متبشرنيش مخلاص أنا فاض بي ومليت".