الأحد، 10 أبريل 2016

أنبياء وفلاحون

أترجم الآن نصاً عن الألمانية به كلمتي رابي (Rabbi) ورابين (Rabbiner) وبينما أفكر في المقابل العربي لهما تذكرت الآية الكريمة التي تقول "وكأين من نبي قاتل معه رِبيون كثير فما وهنوا لما أصابهم..". ووقفت عند كلمة (رِبيون) وقبل أن أنظر في التفاسير رجعت لمعجم يتناول الدخيل في اللغات الأوربية المعاصرة، وهذا النوع من المعاجم مهم جدا لمن يترجم. المهم وجدت أن كلمة (Rabbi) أصلها سامي وأنها في العبرية والآرامية (رِبّي) وتعني أستاذي أو معلمي أو سيدي، وأن تلاميذ المسيح عليه السلام كانوا ينادونه (رِبي) وكانوا بالمناسبة يتكلمون الآرامية لا العبرية. وعن العبرية أو الآرامية انتقلت الكلمة إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية (الكنسية) ومنها إلى اللغات الأوربية المعاصرة. أما كلمة رابين (Rabbiner) فتعني مدرس دين أو خطيب أو فقيه في الشريعة (اليهودية بالطبع).
وعندما عدت إلى التفاسير القرآنية وجدت أن المفسرين اختلفوا كالعادة في المعنى، فمنهم من قال أنها تعني (جموع أو ألوف) وهذا في رأيي غير دقيق لأن الآية تقول (رِبيون كثير) ولأن جموع توحي بالكثرة فلا معنى للتوكيد هنا. ومنهم من قال أنها تعني (الرَّبانيين) أي نسبة للرب، ولو كانت كذلك لكانت بفتح الراء (رَبيون). أنا أعرف أن العرب يغيروا التشكيل أحيانا في حالة النسبة ولكن للكلمات العربية. المهم أنا أشرح لك كيف كنت أفكر في الأمر. أحيانا تشعر أن التراث العربي مسلّك على بعضه. لا يفرق كثيرا إذا كنت تقرأ في تفسير أو في معجم أو شرح لديوان شعري، فالمعاني نفسها يعاد صياغتها وترتيبها بما يتناسب مع نوعية الكتاب. يعني لو كان أحد هؤلاء المفسرين يعرف العبرية أو الآرامية لأراح واستراح. لكن من الغريب فعلاً أن تجد فكرة ما خاطئة تتكرر عبر القرون بصياغات متنوعة ولا يهتم أحد بتصحيحها.
المهم عندما قلت خلاص سأجعل الكلمة بمعنى تلاميذ أي حواريين أو صحابة أو أتركها كما هي الآن ويكون كل هذا الكلام هامش، عندما فكرت في هذا تذكرت أن الفلاحين لدينا، في مصر، عندما يحشّون البرسيم يسمون ما ينبت بعد الحشّ (رِبَّة). آه والله هكذا بهذا التشكيل. فمن أين جاءت الكلمة؟ هل هي قبطية قديمة أم دخلت القبطية من الآرامية أو من العبرية؟ ولكن كيف انتقلت من السياق الديني للزراعة والفلاحة؟ على العموم السياقات متقاربة. لاحظ أن الفلاحين لا يطلقونها على أول حشَّة من البرسيم ولكن على الثانية، فلو الفلاح مثل النبي، لكن الفلاح يفلح الأرض والنبي يفلح القلب والعقل، فأول حشّة هي التلاميذ أو الحواريون أو الصحابة وثاني حشّة هي تلاميذ التلاميذ أو التابعين.. معنى ذلك أن (رِبيون) ستكون بمعنى (التابعين).. أنا تعبت خلاص!

الجمعة، 1 أبريل 2016

ومن الحب ما قتل!


من الأشياء المفزعة أيام الدراسة رؤيتنا لزميل الدفعة (سعيد النجار) وهو يقتل زميلتنا في الدفعة (أسماء عبدالفتاح) بطعنات نافذة في البطن والصدر.
الحقيقة سعيد هذا لم يكن متفوقا لا دراسيا ولا اجتماعيا. كان إنسانا خجولا ومنطويا على نفسه وليس ماهرا في علاقاته الإنسانية. واستمر كذلك حتى بدأت معرفته بأسماء فأصبح مشهورا بيننا بحبه لها وبتلازمهما الدائم. وكنا نعجب كيف لبنت بهذا الجمال وتقبل بسعيد هذا. المهم في بداية الفرقة الرابعة ذهب سعيد لأهلها بباب الشعرية وتقدم لخطبتها فوافقوا، وقرأ الفاتحة مع شقيقها الأكبر على أن يكون الزواج بعد التخرج. ولكنه كان كما يبدو من هيئته فقير جدا وغير مستعد للزواج ولكنه يغالط نفسه. وكما يحدث غالبا ظهر شاب آخر مستعد، قيل آنذاك أنه مدرس للرياضيات. المهم هذا الشاب الآخر تقدم لخطبة أسماء فوافق أهلها ووافقت هي أيضاً. وبعد اجازة نصف العام عاد سعيد من قريته فوجد أخبار خطبة خطيبته لمدرس الرياضيات بانتظاره. لا جزى الله البعض منا خيرا ممن بدأوا يسخرون منه. المهم صاحبنا استشاط غضبا فذهب إليها يحدثها بطريقة غير لائقة فنهرته بشدة. وعندما ألح عليها اعترفت له بنبأ خطوبتها لغيره، وأرته دبلة الخطوبة، وطلبت منه أن يبتعد عنها وألا يتعرض لها بعد الآن. ويبدو أنه كابد ليلة عصيبة وعزم على أمر ما. وفي اليوم التالي تجاهل المحاضرات وانتظرها أمام الكلية، وعندما رآها أسرع يلح عليها لتسير معه قليلا لأنه يريد أن يحدثها ويصفي الأجواء معها فوافقت المسكينة وسارت معه. وعندما وصلا إلى الحديقة التي بين كلية الآثار ودار العلوم أخرج سكينا من تحت ملابسه وطعنها في بطنها طعنة نافذة فارتاعت البنت وصرخت بقوة وجرت مبتعدة. ولكن لأن قدرها قد حان تعثرت في سور الحديقة وسقطت على رصيف الشارع بين الكليتين. طبعا صرخات البنت أفزعتنا فجرى البعض منا باتجاههما، ولكنه كان أسرع وطعنها عدة طعنات في بطنها وصدرها قبل أن يصل إليه عامل نجارة بكلية الآثار وضربه على رأسه بقطعة خشب فأغمى عليه. وعندما وصلنا إلى مكان الصراخ لم نر إلا الدماء لأن البعض حمل أسماء وأسرع بها إلى عيادة الجامعة وهناك لفظت أنفاسها الأخيرة. ورأينا سعيدا وبعض العمال والطلبة يمسكونه وهو خائر القوى ومستسلم لهم حتى جاء الحرس الجامعي واستلمه ثم سلموه لقسم الشرطة.
وبعد هذه الصدمة عدنا خائبين. وكانت لدينا محاضرة في الأدب المقارن لدى الدكتور رجاء جبر. كنا ندرس كتابه "الأدب المقـارن بين النظرية والتطبيق". وكان أستاذا عجيبا يتقن الفرنسية والفارسية وهارينا مقارنات بين الآداب الثلاثة، فمرة عن حديقة سنائي وأخرى عن مجنون ليلى في الأدبين الفارسي والفرنسي.. وعندما دخلنا المحاضرة كان الخبر قد انتشر، وكانت الصدمة بادية علينا، والغريب أن تعليقه على الحادثة كان صادماً أيضاً، وما زلت أذكره حتى اليوم حيث قال "أنها ولا شك مأساة شخصية، ولكنها من جانب آخر حاجة كويسة، ودليل على أن الحب موجود وأن مجانين الحب لم ينتهوا". وضحك ثم سكت!